محمد رفعت – سورة الرحمن كاملة والواقعة 1 – 38

Spread the love

محمد رفعت

محمد رفعتسورة الرحمن كاملة والواقعة 1 – 38

الولادة والنشأة

الشيخ محمد رفعت ابن محمود رفعت ابن محمد رفعت فكان اسمه واسم ابيه وجده كلها مركبة. وقد ولد في يوم الإثنين 9 مايو عام 1882م بدرب الأغوات بحي المغربلين بالقاهرة، وفقد بصره صغيراً وهو في سن الثانية من عمره.[1]

بدأ حفظ القرآن في سن الخامسة، عندما أدخله والده كُتّاب بشتاك الملحق بمسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب[2] وكان معلمه الأول الشيخ محمد حميدة وأكمل القرآن حفظا ومجموعة من الأحاديث النبوية، بعد ست سنوات شعر شيخه أنه مميز، وبدأ يرشحه لإحياء الليالي في الأماكن المجاورة القريبة. ودرس علم القراءات والتجويد لمدة عامين على الشيخ عبد الفتاح هنيدي صاحب أعلى سند في وقته ونال اجازته. توفي والده محمود رفعت والذي كان يعمل مأموراً بقسم شرطة الجمالية وهو في التاسعة من عمره فوجد |الطفل اليتيم نفسه مسئولاً عن أسرته المؤلفة من والدته وخالته واخته واخيه «محرم» وأصبح عائلها الوحيد بعد أن كانت النية متجهة إلى الحاقه للدراسة في الأزهر، بدأ وهو في الرابعة عشر يحيي بعض الليالي في القاهرة بترتيل القرآن الكريم، وبعدها صار يدعى لترتيل القرآن في الأقاليم.[2]

عائلته

متزوج من الحاجة زينب من قرية الفرعونية بالمنوفية، ولديه أربعة أبناء أكبرهم محمد المولود عام 1909م وقد رافق والده فكان بمثابة سكرتيره ومدير أعماله، ثم أحمد ولد عام 1911 م وقد سار على درب والده فحفظ القرآن ودرس القرآءات ونال الإجازة فيها، ثم ابنته بهية وولدت عام 1914 م تزوجت من عبده فرّاج، ثم أصغرهم حسين وولد عام 1920 م وكان يقرأ لوالده الكتب، وقد توفاهم الله جميعاً.[3]

قراءة القرآن

تولى القراءة بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب سنة 1918م حيث عين قارئا للسورة وهو في سن الخامسة عشرة، فبلغ شهرة ونال محبة الناس، وحرص النحاس باشا والملك فاروق على سماعه.[4] واستمر يقرأ في المسجد حتى اعتزاله من باب الوفاء للمسجد الذي شهد ميلاده في عالم القراءة منذ الصغر.[3] وافتتح بث الإذاعة المصرية سنة 1934م، وذلك بعد أن استفتى شيخ الأزهر محمد الأحمدي الظواهري عن جواز إذاعة القرآن الكريم فأفتى له بجواز ذلك فافتتحها بآية من أول سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا مبينا)، ولما سمعت الإذاعة البريطانية بي بي سي العربية صوته أرسلت إليه وطلبت منه تسجيل القرآن، فرفض ظنا منه أنه حرام لأنهم غير مسلمين، فاستفتى الإمام المراغي فشرح له الأمر وأخبره بأنه غير حرام[2]، فسجل لهم سورة مريم.

خصائص تلاوته

كان الشيخ محمد رفعت ذا صوت جميل ببصمة لا تتكرر، وأسلوب فريد ومميز في تلاوة القرآن، كان يتلو القرآن بتدبر وخشوع يجعل سامعه يعيش معاني القرآن الكريم ومواقفه بكل جوارحه لا بأذنه فقط، فكان يوصل رسالة القرآن ويؤثر بمستمعي تلاوته. كان يبدأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والبسملة والترتيل بهدوء وتحقيق، وبعدها يعلو صوته، فهو خفيض في بدايته ويصبح بعد وقت ليس بالطويل غالبًا «عالياً» لكن رشيداً يمسُّ القلبَ ويتملكه ويسرد الآيات بسلاسة وحرص منه واستشعار لآي الذكر الحكيم.

كان اهتمامه بمخارج الحروف كبيراً فكان يعطي كل حرف حقه ليس كي لا يختلف المعنى فقط بل لكي يصل المعنى الحقيقي إلى صدور الناس، وكان صوته حقاً جميلاً رخيما رنانا، وكان ينتقل من قراءة إلى قراءة ببراعة وإتقان وبغير تكلف. امتلك الشيخ محمد رفعت طاقات صوتية هائلة، جعلته يستطيع الانتقال بسلاسة شديدة بين المقامات في أثناء تلاوته للقرآن الكريم، ليس هذا فحسب، بل إنه امتلك القدرة على تراسل الحواس لدى المستمعين، فيعلم متى يبكيهم، ومتى يبهجهم من خلال آيات الترغيب والترهيب في كتاب الله عز وجل، فقد أوتي مزمارًا من مزامير داود، وإذا ما وضعنا جماليات الصوت جانبًا لننتقل إلى قوته، فان صوته كان قويًا لدرجة أنه يستطيع من خلاله الوصول لأكثر من 3 آلاف شخص في الأماكن المفتوحة.[1]

كان محافظاً على صوته يتجنب نزلات البرد والأطعمة الحريفة ولا يدخن ولا يتناول طعام العشاء.[2]

المتأثرون بطريقته

يعد الشيخ أبو العينين شعيشع من المتأثرين بتلاوة الشيخ محمد رفعت وصوته شديد الشبه به حتى أن الإذاعة المصرية استعانت به لتعويض الانقطاعات في التسجيلات.

كما يعد الشيخ محمد رشاد الشريف مقرئ المسجد الأقصى من المتأثرين بقراءة الشيخ محمد رفعت.[5] وفي العام 1943، استمع الشيخ محمد رفعت إلى محمد رشاد الشريف فقال عنه «إنني استمع إلى محمد رفعت من فلسطين» [6]، ورد له رسالة في العام 1944 معتبراً إياه بمثابة «محمد رفعت الثاني».[5]

نشر تلاواته

كانت معظم تلاوات الشيخ محمد رفعت بمسجد فاضل باشا في القاهرة يقصده الناس هناك للاستماع إلى تلاواته حتى الملك فاروق وكانت تبث الإذاعة المصرية حفلاته من هناك، وكان صيفاً يتلو القرآن في جامع المرسي أبو العباس في الإسكندرية. إضافة إلى تلاواته الحية على الهواء من دار الإذاعة المصرية التي تعاقدت معه من أول افتتاحها لا سيما في رمضان كان يتلو تلاوتين يومياً على الهواء فيما عدا يوم الأحد وكان يقرأ القراءة الأولى من الساعة التاسعة وحتى العاشرة إلا الربع مساءً والثانية من الساعة العاشرة والنصف وحتى الحادية عشرة والربع مساءً.[2] أما تسجيلاته فكانت جميعها تقريباً من تسجيل أحد أكبر محبيه وهو زكريا باشا مهران أحد أعيان مركز القوصية في أسيوط وعضو مجلس الشيوخ المصري، والذي يعود له الفضل في حفظ تراث الشيخ رفعت الذي نسمعه حاليا، وكان يحب الشيخ رفعت دون أن يلتقي به، وحرص على تسجيل حفلاته التي كانت تذيعها الإذاعة المصرية على الهواء واشترى لذلك اثنين من أجهزة الجرامافون من ألمانيا، وعندما علم بمرض الشيخ رفعت أسرع إلى الإذاعة حاملاً إحدى هذه الأسطوانات، وطلب من مسؤولي الإذاعة عمل معاش للشيخ رفعت مدى الحياة، وبالفعل خصصت الإذاعة مبلغ 10 جنيهات معاش شهري للشيخ رفعت، ولكن الشيخ توفي قبل أن يتسلمه [3]، وتبرعت عائلة زكريا باشا بالأسطوانات لكي تنشر وقد حصل عليها ورثة الشيخ محمد رفعت بعد وفاة زكريا باشا مهران من زوجته ”زينب هانم مبارك” فلولا هذه التسجيلات لفقد تراثه الا من 3 تسجيلات تحتفظ بها الإذاعة، ولم تكن لتلك الاسطوانات أثرها في حياة الشيخ فقط بل ”زكريا باشا” المحب الذي سجل دون معرفة شخصية أو رؤية لـ”رفعت”، وقالت زوجة زكريا باشا: برغم نشاطات زوجي زكريا باشا نوران في الاقتصاد والمحاماة والسياسة والتأليف إلا أن اسمه لم يذكر إلا مقروناً بأنه الذي سجل مجموعة من التسجيلات للشيخ محمد رفعت.[4][7]

وأوضحت السيدة هناء حسين محمد رفعت حفيدة الشيخ أن أبناء الشيخ رفعت ظلوا طوال حياتهم عاكفين على إعادة إصلاح ومعالجة هذه الأسطوانات، وأن والدها أهدى الإذاعة 30 ساعة بصوت الشيخ رفعت دون مقابل، وهي كل التراث الذي نسمعه حاليا للشيخ رفعت، مؤكدة أن الأحفاد يستكملون المسيرة ويحاولون إنقاذ 30 ساعة أخرى بصوت الشيخ رفعت لم تر النور بعد، ولم تصل إلى آذان محبيه، قائلة: «نقلنا كل الأسطوانات على هارد ديسك، واشتغلنا في كذا استوديو لإصلاحها وتنقيتها، ولكن بقدر إمكانياتنا الضعيفة، ونحتاج استوديوهات عالية التقنية وإمكانيات أكبر من طاقتنا لذلك توقفنا».[3]

شخصيته

ويروى عن الشيخ أنه كان رحيماً رقيقاً ذا مشاعر جياشة عطوفاً على الفقراء والمحتاجين، حتى أنه كان يطمئن على فرسه كل يوم ويوصي بإطعامه. ويروي أنه زار صديقا له قبيل موته فقال له صديقه من يرعى فتاتي بعد موتي؟ فتأثر الشيخ بذلك، وفي اليوم التالي والشيخ يقرأ القرآن من سورة الضحى وعند وصوله إلى (فأما اليتيم فلا تقهر) تذكر الفتاة وانهال في البكاء بحرارة، ثم خصص مبلغاً من المال للفتاة حتى تزوجت. كان زاهداً صوفي النزعة نقشبندي الطريقة يميل للناس الفقراء البسطاء أكثر من مخالطة الأغنياء فقد أحيا يوماً مناسبة لجارته الفقيرة مفضلاً إياها على الذهاب لإحياء الذكرى السنوية لوفاة الملك فؤاد والد الملك فاروق.

وكان بكّاءاً تبل دموعه خديه في أثناء تلاوته حتى انه انهار مرة وهو في الصلاة عندما كان يؤم المصلين يتلو آية فيها موقف من مواقف عذاب الآخرة. وكان ربانيّاً يخلو بنفسه يناجي الله داعياً إياه.[3]

مرضه ووفاته

أصابت حنجرة الشيخ محمد رفعت في عام 1943م زغطة أو فواق تقطع عليه تلاوته، فتوقف عن القراءة. وقد سبب الزغطة ورمٌ في حنجرته يُعتقد أنه سرطان الحنجرة، صرف عليه ما يملك حتى افتقر لكنه لم يمد يده إلى أحد، حتى أنه اعتذر عن قبول المبلغ الذي جمع في اكتتاب (بحدود خمسين ألف جنيه) لعلاجه على رغم أنه لم يكن يملك تكاليف العلاج، وكان جوابه كلمته المشهورة «إن قارئ القرآن لا يهان».

تفسير سورة الرحمن كاملة

من الآية 1 إلى الآية 13: ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ (الذي وَسِعَت رحمته الدنيا والآخرة)﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴾ أي علَّمَ مَن شاءَ مِن عباده القرآن (بتيسير تلاوته وحفظه وفَهْم مَعانيه)، ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾ ليَعبده وحده ولا يُشرك به، ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ أي علَّمه التعبير عمَّا في نفسه – تمييزًا له عن غيره – ليَشكر نعمه ويَنقاد لأمره.

 ثم ذَكَرَ سبحانه بعض مَظاهر قدرته وعَدله وإنعامه على خلقه، للاستدلال بذلك على استحقاقه وحده لعبادتهم، وعلى قدرته على بَعْثهم بعد موتهم، فقال:﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ أي يَدوران في فلَكَيهمابحسابٍ مُتقَن لا يَختلف ولا يَضطرب، ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ (فمَخلوقات السماوات ومخلوقات الأرض تعرف ربها سبحانه وتعالى وتسجد له، وتخضع لِمَا سَخرَّها له مِن مصالح عباده)، ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ﴾ بقدرته العظيمة من غير أعمدة، ﴿ وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ أي شَرَعَ لكم العدل، وألهَمَكم بصُنع آلته (وهو الميزان)، مِن أجْل ﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴾ أي حتى لا تعتدوا وتخونوا مَن وَزَنتم له، ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾: أي لا تُنْقِصوا الميزان إذا وَزَنتم للناس (كل هذا إنعامٌ مِن رحمات الرحمن، ودليلٌ على شدة عناية الله بالعدل بين عباده)، ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾ أي وَضَعَها ومَهَّدها ليَستقر عليها الخلق، ﴿ فِيهَا ﴾ أي في الأرض ﴿ فَاكِهَةٌ ﴾ كثيرة ﴿ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ﴾ يعني: وفيها النخل ذات الأوعية التي يَخرج منها الثمر، (ولَعَلّ الله تعالى خَصَّ التمر من بين باقي الفواكه لمَكانته عند العرب وكثرة فوائده)، ﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ﴾ يعني: وفيها الحب ذو القِشر – مِثل القمح والأرز والشعير – رِزقًا لكم ولأنعامكم، ﴿ وَالرَّيْحَانُ ﴾ يعني: وفيها كل نبات طيّب الرائحة (مِثل نبات الريحان وغيره)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان، وهي كثيرة لا تُعَدّ ولا تُحصَى؟!، (وما أحسن ما قاله الجن حين تَلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، فكلما مَرَّ بهذه الآية، قالوا: “ولا بشيءٍ مِن آلائك ربَّنا نُكَذِّب، فلك الحمد”، وهكذا يَنبغي للعبد إذا تُلِيَتْ عليه نعم الله تعالى، أن يُقِرَّ بها، ويَشكره عليها).

 ولَعَلّ الله تعالى قد كَرّرَ هذه الآية في سورة “الرحمن” تقريراً لعباده بنعمه عليهم، لتذكيرهم بها (وذلك لكثرة غفلتهم عن شُكرها وتعلق قلوبهم بالدنيا)، فإنّ مِن عادة العرب: تكرار الكلام لتأكيده، إذ كانوا يقولون: (ما تَكَرَّر: تَقَرَّر)، ولذلك كُرّرَت الآيات لتأكيد نعم الله على الإنس والجن، فالاستفهام في هذه الآية أسلوبٌ للتقرير وعدم الإنكار.

 والذي يَتتبع هذه الآية الكريمة، يُلاحِظ أن اللهَ تعالى قد كَرَّرها ثماني مرات عَقِب آياتٍ فيها ذِكر عجائب خَلقه، وبداية هذا الخلق ونهايته، ثم كَرَّرها سبع مرات – عَقِب آياتٍ فيها ذِكر النار وشدائدها – بعدد أبواب جهنم، ثم كَرَّرها ثماني مرات – في وَصْف الجنّتَين وأهلهما – بعدد أبواب الجنة، وكَرَّرها كذلك ثماني مرات في الجنّتَين اللتين أقل درجةً من الجنّتَين السابقتَين، ولَعَلّ في ذلك إشارة إلى أنّ الذي يَتعظ بالثمانية الأولى (التي تدل على قدرة الله ووحدانيته وعظمته)، فاتّقَى عذابَ ربه (بطاعته واجتناب معصيته)، استحق هاتين الثمانيتَين من الله تعالى (وهي الجنة)، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكَرَمه (وهي النار)، واللهُ أعلم.

من الآية 14 إلى الآية 18: ﴿ خَلَقَ ﴾ سبحانه ﴿ الْإِنْسَانَ ﴾ – والمقصود به هنا آدم عليه السلام (أبو البَشَر) – إذ خَلَقه اللهُ ﴿ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ أي مِن طين يابس كالفَخَّار (إذا نُقِر عليه: سُمِعَ له صوت)، ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴾ أي مِن لهب النار المُختلَط بعضه ببعض (وهو اللهب الأحمر والأصفر والأزرق)، إذ أصل كلمة “المارج”: المروج، وهو الاختلاط، كما سيأتي في قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) أي خَلَطهما، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟!، هو سبحانه ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ أي مُدَبِّر أمْر الشمس في مَشرقَيها ومَغربَيها (في الصيف والشتاء)، فدَبَّرَ سبحانه ذلك كله وسَخَّره لمصالح العباد، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما الدينية والدنيوية تكذِّبان يا مَعشر الجن والإنس؟!

من الآية 19 إلى الآية 25: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ﴾ أي خَلَطَ سبحانه البحرين – العذب والمالح – فجَعَلهما ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ يعني يَجريان معاً في مكانٍ واحد، ولكنْ ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي حاجز، فـ﴿ لَا يَبْغِيَانِ ﴾ أي لا يَطغى أحدهما على الآخر، فيَذهب بخصائصه ويُفسده، بل يَبقى العذب عذبًا، والمالح مالحًا (رغم اختلاطهما)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الظاهرة والباطنة – تكذِّبان؟! ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ﴾ – أي مِن البحرَين – ﴿ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ الذي يَتزين به نساؤكم، (واعلم أنه قد تم حديثاً العثور على اللؤلؤ والمرجان فى بعض الأنهار العذبة فى ضواحي “ويلز واسكتلاندا”)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!، ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴾ (والجَواري هي السُفن الجارية، والأعلام هي الجبال)، والمعنى: إنّ من آيات الله تعالى هذه السفن الضخمة، التي تجري في البحر مِثل الجبال، فهو سبحانه الذي عَلَّمَ نوحاً عليه السلام كيفية صُنعها، وهو وحده الذي له التصرف فيها وهي في البحر (إذ هو الذي سَخَّرَ البحر ليَحملها – رغم ثِقَلها – لمنافع العباد، وهو القادر على إغراقها بالرياح وقتما يشاء)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟!

من الآية 26 إلى الآية 30: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ يعني: كل مَن على الأرض – مِن الخَلق – هالك﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي تبقى ذاته سبحانه (لأنّ بقاء وجهه سبحانه يَستلزم بقاء ذاته كلها، لأنه سبحانه الحي الذي لا يموت)، وهو﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ أي ذو العَظَمة والكَرَم، (وفي الآية إثباتٌ لصفة الوجه لله تعالى كما يليق بجلاله وكماله، دونَ تشبيهٍ بخلقه)، (وفي الآية أيضاً دليل على فناء كل شيء إلا اللهُ تعالى وما وَرَدَ الدليل بعدم فنائه، وهم ثمانية أشياء: (العرش والكرسي، والنار والجنة، واللوح والقلم والأرواح، وعُجب الذَنَب (وهو الجزء الذي يَتبقى من الإنسان بعد موته ولا يتحلل)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ (ولَعَلّ المقصود بالنعمة هنا – عند ذِكر الموت – هو تذكير المؤمنين من الإنس والجن بنعمة الإراحة من التكاليف والعبادات للتنعم في روضات الجنات)، ﴿ يَسْأَلُهُ ﴾ سبحانه ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي يَطلبون منه أن يَقضي لهم جميع حوائجهم (كالرزق والصحة والأولاد ومَغفرة الذنوب، والإعانة على التوبة النصوح وحُسن العبادة)، وكذلك تسأله الملائكة أن يَغفر ذنوب الذين تابوا وآمنوا، فلا غِنَى لأحدٍ منهم عنه سبحانه، ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ (إذ يُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُحيي ويميت، ويُعطي ويَمْنع بحسب عدله التام وحِكمته البالغة)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الظاهرة والباطنة – تكذِّبان؟!

من الآية 31 إلى الآية 36: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ ﴾: أي سنأتي لحسابكم ومُجازاتكم بأعمالكم ﴿ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ﴾ يعني يا أيها الإنس والجن (فنُعاقب أهل المعاصي، ونُكافئ أهل الطاعات)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟! ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾: ﴿ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ﴾ يعني إن قَدَرْتم أن تهربوا مِن البعث والجزاء – مِن نَواحي السماوات والأرض – فافعلوا، ولكنكم ﴿ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ أي لن تقدروا على ذلك إلا بقوةٍ قاهرة غالبة (وكيف لكم ذلك وأنتم لا تملكون لأنفسكم نفعًا ولا ضرًا؟!، وفي هذا تعجيزٌ لهم)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!

 فإن أردتم الفرار مِن حُكمي فيكم يوم القيامة – على سبيل الفرض – فحينئذٍ ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ ﴾ يعني يُرْسَل عليكما لهبٌ من نار، ونحاس مُذاب – أي قد ذابَ مِن شدة غليانه – يُصَبُّ على رؤوسكم ﴿ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴾ أي فحينئذٍ لا يَنصر بعضكم بعضًا من عذاب الله، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!

من الآية 37 إلى الآية 45: ﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ ﴾ يوم القيامة ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴾ أي فصارت حمراء كلَون الورد أو الزيت المغلي (وذلك من شدة الأمر وصعوبته يوم القيامة)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟! ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ﴾ يعني: ففي ذلك اليوم لا تَسأل الملائكةُ مُجرِمي الإنس والجن عن ذنوبهم، (ويُحتمَل أن يكون المقصود من قوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ) أي لا يُسأل أحدٌ أن يُحمَل عنه ذنبه، فيكون ذلك مِثل قوله تعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)، أي لا يسأله أن يَحمل عنه ذنبه، واللهُ أعلم)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الظاهرة والباطنة – تكذِّبان؟!، ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ أي تَعرِفهم الملائكةُ بعلاماتهم يوم القيامة (مِثل اسوداد وجوههم وغير ذلك) ﴿ فَيُؤْخَذُ ﴾ المُجرم ﴿ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ﴾: أي تَضُم الملائكة مُقدمة رأسه مع أقدامه، فتَرميه في النار، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟!، ويُقال يومئذٍ: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ أي التي كانوا يُكذِّبون بها في الدنيا﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ﴾ يعني: مَرةً يُعذَّبون في الجحيم، ومَرةً يُسقون من الحميم المغلي (وهو شرابٌ شديد الحرارة، يشوي الوجوه ويقطِّع الأمعاء)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ (ولَعَلّ المقصود بالنعمة هنا – في آيات وصف العذاب – هو التذكير بنعمة العدل بين العباد، وجزاء الظالمينَ المُفسِدين بما يَستحقون يوم القيامة).

من الآية 46 إلى الآية 61: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ يعني: ولمَن خافَ الوقوف بين يدي اللهِ تعالى يوم القيامة، فأطاعه وترَكَ مَعاصيه، فهذا المُتّقي له في الجنة حديقتان عظيمتان تُحيطان بقصره، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟، وهاتان الحديقتان ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾ أي لهما أغصان مَملوءة بأوراق الشجر، ومَملوءة بالثمار ذات الألوان الجميلة، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ يعني: في هاتين الحديقتين عَينان من الماء (تجريان خلال أشجارهما)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ يعني: في هاتين الحديقتين صِنفانمن الفواكه، (وقد قيل إن المقصود بهذين الصِنفين: الرَّطِب (مِثل العنب) واليابس (مِثل اللوز)، وقيل أيضاً: نوعٌ معروف – أي موجود في فاكهة الدنيا – والآخر غير معروف، واللهُ أعلم)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الظاهرة والباطنة – تكذِّبان؟

 ويَجلس المتقون في الجنة ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾: أي متكئين على فُرُش (مُبَطَّنة من الحرير الغليظ)، ﴿ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ يعني: وثمر أشجار الجنتين قريبٌ منهم (إذ يَقطفونه بسهولة وهم جالسون)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِنَّ ﴾ أي في هذه الفُرُش: ﴿ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ﴾: أي نساءٌ لا تنظر إحداهنّ إلى غير زوجها، ولا يَنظر زوجها إلى غيرها (مِن شدة حُسنها وجمالها) (سواء النساء المؤمنات أو الحُور العِين)، فقلوبهم وأبصارهم متعلقة بأزواجهم من شدة الحب، ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ أي لم يُجامعهنّ ﴿ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ﴾ أي قَبل أهل الجنة ﴿ وَلَا جَانٌّ ﴾﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟!، ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ يعني كأنّ نساء الجنة – في بياضهنّ وجمالهنّ -: (الياقوتُ والمَرْجانُ)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟!، ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾؟ يعني: هل جزاء مَن أحسن بعمله في الدنيا إلا الإحسان إليه بهذا النعيم في الآخرة؟، (وواللهِ إنّ هذه الآية لَتُعَلِّم العبدَ مراقبة الله تعالى في كل أموره، فيَعبد ربه كأنه يراه، حتى يَجد عنده يوم القيامة – من الثواب – ما يُقال له بسببه: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟))، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ (ولَعَلّ المقصود بالنعمة هنا – في آيات وصف النعيم – هو تذكير المؤمنين برحمة ربهم وإحسانه بهم، إذ هو سبحانه الذي وفقهم لطاعته وحَبَّبها إليهم، وأنعَمَ عليهم بمغفرة ذنوبهم وقبول توبتهم (بعد أن رَزَقهم الصبر والثبات عليها)، كما أنعَمَ عليهم بمضاعفة أجورهم – من عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف – ثم أنعَمَ عليهم بالخلود الأبدي في ذلك النعيم بغير حساب).

من الآية 62 إلى الآية 78: ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ يعني: وأدنَى من الحديقتين السابقتين في الدرجة: حديقتان أُخرَتان (بحسب أعمال العباد)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟!، ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ يعني: هاتان الجنتان خَضراوتان، قد اشتدَّت خُضرتهما حتى مالت إلى السواد، (وهذا اللون الجميل يُلاحِظه الإنسان – في الدنيا – إذا نظر إلى الزروع والأشجار وقت غروب الشمس)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟ ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ يعني: في هاتين الجنتين عَينان فوَّارتان بالماء لا تنقطعان، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ﴾ مِن مُختلَف أنواع الفواكه ﴿ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ (ولَعَلّ هاتَين الثمرتَين قد ذُكِرَتا بصفةٍ خاصة، لإظهار فضلهما ومَنافعهما)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الظاهرة والباطنة – تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِنَّ ﴾ أي في هذه الجنات الأربعة: ﴿ خَيْرَاتٌ ﴾ أي زوجاتٌ طيّبات الأخلاق (لا تؤذي زوجها)، ﴿ حِسَانٌ ﴾ أي شديدات الحُسن والجمال، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟!، ﴿ حُورٌ ﴾أي بيض الأجساد ﴿ مَقْصُورَاتٌ ﴾ أي مَستوراتٌ مَصُونات ﴿ فِي الْخِيَامِ ﴾ (وهي خيام من اللؤلؤ المُجَوَّف، طولها سِتّون مِيلاً، كما ثَبَتَ ذلك في صحيح مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم)، واعلم أن هذه الخيمة تكون في مكان مُعَيَّن بداخل القصر، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان؟!، ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ أي لم يُجامعهنّ ﴿ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ﴾ أي قبل أزواجهنّ مِن أهل الجنة ﴿ وَلَا جَانٌّ ﴾﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الدينية والدنيوية – تكذِّبان؟!، ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ ﴾ أي متكئين على وسائد﴿ خُضْرٍ ﴾ أي خضراء اللون، وقد قيل: (إنّ الرَفرف هو شيءٌ إذا استوى عليه صاحبه: رَفرَفَ به، أي طارَ به حيثما يريد، يَتلذذ به مع أنيسته)، ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ يعني: وفُرُش جميلة المنظر، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما – الظاهرة والباطنة – تكذِّبان؟!، ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ﴾:أي كَثُرَتْ بركات اسم ربك الرحمن، وكَثُرَ خيره وفضله، فهو سبحانه ﴿ ذِي الْجَلَالِ ﴾ أي ذي العَظَمة الباهرة، والمَجد الكامل ﴿ وَالْإِكْرَامِ ﴾ لأوليائه المتقين.


[1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: “التفسير المُيَسَّر” (بإشراف التركي)، وأيضًا من “تفسير السّعدي، وكذلك من كتاب: ” أيسر التفاسير” لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.

– واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)

سورة “الواقعة

معاني مفردات الآيات الكريمة من (1) إلى (16) من سورة “الواقعة”

﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾: إذا قامت القيامة بنفخة البعث.

﴿ كاذبة ﴾: نفس تنكر وقوعها.

﴿ خافضة رافعة ﴾: خافضة للأشقياء، رافعة للسعداء.

﴿ رجَّت الأرض رجًّا ﴾: زلزلت وحركت تحريكًا عنيفًا.

﴿ بسَّت الجبال ﴾: فتِّتت تفتيتًا مثل الدقيق المبسوس (المبلول).

﴿ هباء منبثًّا ﴾: غبارًا متفرِّقًا منتشرًا.

﴿ أزواجًا ثلاثة ﴾: ثلاثة أصناف.

﴿ فأصحاب الميمنة ﴾: الذين يتناولون صحائف أعمالهم بأيمانهم.

﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾: استفهام لتعظيم شأنهم وتفخيمه.

﴿ وأصحاب المشأمة ﴾: الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم.

﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾: استفهام للتعجب من حالهم، وبيان فظاعته.

﴿ والسابقون السابقون ﴾: والسابقون إلى الخيرات والحسنات هم السابقون إلى النعيم والجنَّات.

﴿ المقربون ﴾: في ظل عرض الله ودار كرامته.

﴿ ثلة ﴾: أمة من الناس كثيرة.

﴿ من الأولين ﴾: من السابقين أو من أول أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ من الآخرين ﴾: من هذه الأمة أو من المتأخرين منها.

﴿ على سررٍ موضونة ﴾: يجلسون في الجنة على أسرة منسوجة من الذهب بإحكام وإتقان.

﴿ متكئين ﴾: مضطجعين في راحة وسعادة.

﴿ متقابلين ﴾: وجوه بعضهم إلى بعض.

مضمون الآيات الكريمة من (1) إلى (16) من سورة “الواقعة”:

1- تصف الآيات القيامة بأنها واقعة حاصلة لاشك في ذلك، ولا يمكن تكذيبها حينئذ.

2- ثم تذكر بعض أحداث هذا اليوم، ومنها أن أقدار الناس تتبدل، كما تتبدل أوضاع الأرض.

3- عندئذٍ ينقسم الناس إلى ثلاة أصناف: السابقون، ومكانتهم عالية، وجزاؤهم عظيم، وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، ثم تفصل الآيات التالية ألوان النعيم أو العذاب لكل منهما.

دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (1) إلى (16) من سورة “الواقعة”:

1- القيامة حق لا شك فيه، وعندما تقوم تحدث أهوال شديدة، وتتبدَّل أوضاع الناس حسب أعمالهم في الدنيا، ويتحقق العدل الكامل، ويأخذ كل إنسان حقه غير منقوص.

2- المؤمنون يوم القيامة درجات متفاوتة، يوضع كل إنسان في درجته التي يستحقها، ومكانته التي أعدها الله له في الجنة، كما أن الكافرين والمذنبين يعذبون بما يتناسب مع كفرهم أو معصيتهم في دركات في جهنم.

معاني مفردات الآيات الكريمة من (17) إلى (50) من سورة “الواقعة”:

﴿ ولدان مخلدون ﴾: أطفال في نضارة الصبا، لا يموتون ولا يكبرون.

﴿ أباريق ﴾: آنية يوضع فيها الماء، ويصب منها.

﴿ كأس ﴾: خمر أو كوب فيه خمر.

﴿ من معين ﴾: من عيون في الجنة جارية.

﴿ لا يصدَّعون عنها ﴾: لا يصيبهم صداع بشربها.

﴿ ولا ينزفون ﴾: ولا تذهب عقولهم بسببها؛ لأنها لا تسكر كخمر الدنيا.

﴿ حور عين ﴾: نساء بيض، أعينهن واسعة جميلة.

﴿ اللؤلؤ المكنون ﴾: اللؤلؤ المحفوظ في أصدافه فلا يتغير.

﴿ لغوًا ﴾: كلامًا لا خير فيه، أو باطلاً.

﴿ ولا تأثيمًا ﴾: ولا يلحقهم إثم مما يسمعون.

﴿ سلامًا سلامًا ﴾: يفشون السلام فيما بينهم.

﴿ في سدر ﴾: السد شجر النبق.

﴿ مخضود ﴾: شوكه مقطوع.

﴿ وطلح ﴾: شجر الموز أو مثله.

﴿ منضود ﴾: ثمره متراكم.

﴿ إنا أنشأناهنَّ إنشاءً ﴾: إن الله سبحانه وتعالى خلق نساء الجنة خلقًا جديدًا في غاية الحسن والجمال.

﴿ أبكارًا ﴾: عذارى دائمًا (فتيات).

﴿ عربًا ﴾: متحببات إلى أزواجهن.

﴿ أترابًا ﴾: مستويات في السن.

﴿ ثلة من الأولين ﴾: جماعة من الأمم الماضية، أو من أوائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ وثلة من الآخرين ﴾: وجماعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو من المتأخرين منها.

﴿ سموم ﴾: ريح شديدة الحرارة تدخل مسام الجسم.

﴿ وحميم ﴾: وماء حار جدًّا.

﴿ يحموم ﴾: دخان شديد السواد، أو نار.

﴿ لا كريم ﴾: لا يقي من أذى الحر.

﴿ قبل ذلك ﴾: في الدنيا.

﴿ مترفين ﴾: منعمين.

﴿ يصرون ﴾: يداومون.

﴿ الحنث العظيم ﴾: الذنب العظيم – الشرك بالله.

﴿ إن الأولين والآخرين ﴾: إن الخلائق جميعًا.

﴿ ميقات يوم معلوم ﴾: في الوقت الذي حدده الله بلا تقديم أو تأخير.

مضمون الآيات الكريمة من (17) إلى (56) من سورة “الواقعة”:

1- تواصل الآيات بيان ما أعده الله سبحانه وتعالى من ألوان النعيم والتكريم للسابقين إلى الخيرات، ثم تذكر أصحاب الميمنة، ولهم نعيم عظيم في الجنة، وإن كان أقل درجة من السابقين.

2- ثم تذكر الصنف الثالث: وهم أصحاب المشأمة، أو أصحاب الشمال، وهؤلاء هم المكذبون الجاحدون الذين أنكروا البعث، وكذبوا بما جاء به الرسول، وقد عرضت الآيات عذابهم بالتفصيل، نعوذ بالله من شره.

دروس مستفادة من الآيات الكريمة (17) إلى (56) من سورة “الواقعة”:

1- يخاطب القرآن الكريم الناس – جميعًا – بما يمكن لهم أن يتصوروه ويدركوه ويقرب إلى أفهامهم ما أعده الله لعباده في الجنة من النعيم، وما أعدَّه للكافرين والعصاة من العذاب الأليم.

2- يجب أن نستعد في هذه الفرصة التي لا تتكرر – فرصة وجودنا في هذه الحياة – لنفوز بالجنة ونعيمها، ولننجوا من العذاب الأليم يوم الدين، وذلك بالإقبال على عبادة الله وطاعته، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والعمل بسنته.

معاني مفردات الآيات الكريمة من (51) إلى (76) من سورة “الواقعة”:

﴿ إنكم ﴾: يا معشر الكفار.

﴿ الضالون ﴾: الذين ضلُّوا عن الهدى.

﴿ المكذبون ﴾: الذين كذبوا بالبعث، وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

﴿ شجر من زقُّوم ﴾: شجر ينبت في أصل الجحيم، وهو شجر كريه جدًّا في النار.

﴿ شرب الهيم ﴾: مثل شرب الإبل العطاش التي لا تروي أبدًا.

﴿ نزلهم ﴾: ضيافتهم وما أعد لهم من العذاب.

﴿ يوم الدين ﴾: يوم الحساب والجزاء.

﴿ نحن ﴾: الله عز وجل – يعظم نفسه.

﴿ قدرنا ﴾: قضينا وحكمنا وسوينا بين الناس جميعًا فيه.

﴿ بمسبوقين ﴾: بعاجزين ولا مغلوبين.

﴿ في ما لا تعلمون ﴾: في خلقة لا تعلمونها ولا تصل إليها عقولكم.

﴿ فلو لا تذكرون ﴾: فهلا تتذكرون وتتعظون.

﴿ ما تحرثون ﴾: البذر الذي تلقونه في الأرض.

﴿ تزرعونه ﴾: تنبتونه حتى يشتد وينضج.

﴿ حطامًا ﴾: هشيمًا متكسِّرًا لا ينتفع به.

﴿ فظلتم ﴾: فبقيتم.

﴿ تفكهون ﴾: تتعجبون من سوء حاله ومصيره.

﴿ إنا لمغرمون ﴾: وتقولون: إنا مهلكون بهلاك رزقنا.

﴿ محرومون ﴾: ممنوعون الرزق منعًا تامًّا.

﴿ من المزن ﴾: من السحاب.

﴿ أجاجًا ﴾: مالحًا شديد الملوحة، أو مرًّا لا يمكن شربه.

﴿ تورون ﴾: تستخرجونها من الشجر.

﴿ أنشأتم شجرتها ﴾: خلقتم شجرها.

﴿ تذكرة ﴾: ليتذكر بها الناس نار جهنم.

﴿ ومتاعًا ﴾: ومنفعة.

﴿ للمقوين ﴾: للمسافرين أو للمحتاجين إليها.

﴿ فلا أقسم ﴾: أحلف حلفًا مؤكدًا.

﴿ بمواقع النجوم ﴾: بمجاريها أو منازلها.

﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾: وهذا الحلف حلف عظيم ولو عرفتم عظمته لآمنتم.

مضمون الآيات الكريمة من (57) إلى (74) من سورة “الواقعة”:

1- تؤكد هذه الآيات قضية البعث – التي هي موضوع السورة الأول، وإن كانت تتناول قضية العقيدة كلها – مستخدمة ما يقع تحت حسّ البشر من أشياء، وما يشاهدونه في حياتهم اليومية بحيث لا يستطيع إنسان أن ينكر وجود الله سبحانه وتعالى وقدرته إلا إذا كان مكابرًا ومعاندًا للحق الواضح الذي لا غموض فيه ولا تعقيد، فتتساءل عن نشأة الناس الأولى من مني يصبُّ في الأرحام، ثم تعرض موتهم ونشأة آخرين مثلهم من بعدهم، ليكون ذلك دليلاً على إمكان النشأة الأخرى (البعث).

2- ثم تعرض صورة الحرث والزرع، ثم صورة الماء العذب، ثم صورة النار التي يوقدونها، وكل هذه الصور مألوفة للناس، معرفة لهم، ولكن الله سبحانه وتعالى يلفتنا إليها لنتدبرها ونتعظ بها؛ لأن الإنسان يغفل عن الاتعاظ بالأشياء المألوفة له والتي تعود أن يراها دائمًا.

دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (57) إلى (74) من سورة “الواقعة”:

1- تتجلَّى قدرة الله في خلق الناس، وفي زرعهم وفي الماء الذي يشربون، وفي النار التي يوقدون.

2- العقيدة الإسلامية سهلة واضحة ميسرة لكل من فتح قلبه وعقله لتلقي هداية الله عز

معاني مفردات الآيات الكريمة من (77) إلى (96) من سورة “الواقعة”:

﴿ في كتاب مكنون ﴾: في اللوح المحفوظ.

﴿ المطهرون ﴾: الملائكة.

﴿ الحديث ﴾: القرآن.

﴿ مدهنون ﴾: مكذِّبون.

﴿ بلغت الحلقوم ﴾: وصلت الروح عند الموت ممر الطعام والشراب إلى المعدة.

﴿ لا تبصرون ﴾: لا تعقلون ولا تعلمون ولا ترون الملائكة الذين حضروا لقبض روحه.

﴿ غير مدينين ﴾: غير محاسبين كما تزعمون.

﴿ ترجعونها ﴾: عليكم إذن أن ترجعوا هذه الروح وقد بلغت الحلقوم. (إنكم عاجزون عن ذلك).

﴿ من المقرَّبين ﴾: من السابقين بالدرجات العلا المقربين إلى الله عز وجل.

﴿ فروحٌ ﴾: فله استراحة أو رحمة. وريحان: ورزق حسن.

﴿ فنزل ﴾: مثواه وضيافته.

﴿ من حميم ﴾: من ماء بلغ الغاية في الحرارة (وما أسوأه من نزل).

﴿ وتصلية جحيم ﴾: ومقاساة لحر النار أو إدخال فيها.

مضمون الآيات الكريمة من (75) إلى (96) من سورة «الواقعة»:

1 – تبدأ الآيات بقسم الله – تعالى – بمواقع النجوم على أن هذا الكتاب هو قرآن كريم لما فيه من الخيرات والبركات والإعجاز، وأنه لا يمسه إلا المطهرون، وأنه منزَّل من الله – تعالى – رب العالمين.

2 – ثم تصوِّر مشهد الموت ساعة خروج الروح من الجسد ، ومصير السابقين إلى الخيرات وأصحاب اليمين.

3 – ثم تتحدَّث عن الذين كذبوا وضلُّوا عن الهدى وعقابهم ، وأن ما يرونه هو الحق الذي لاشك فيه.

دروس مستفادة من الآيات الكريمة من (75) إلى (96) من سورة «الواقعة»:

1 – القرآن الكريم ليس – كما يزعم الكافرون – قول كاهن ولا قول مجنون… إلخ، وإنما هو كلام رب العالمين.

2 – في لحظة الاحتضار يرى الإنسان مقعده من الجنة أو النار.

3 – على المسلم أن يسبح باسم ربه العظيم في ركوعه، وفي جميع أحواله، وينزهه عمَّا يصفه به الظالمون.

Leave a Comment