محمد رفعت – سورة التكاثر

Spread the love
محمد رفعت

محمد رفعت – سورة التكاثر

سورة التكاثر مكتوبة كاملة بالتشكيل | كتابة وقراءة

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ (4) كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ (8)

الصفحة رقم 600 من القرآن الكريم مكتوبة من المصحف

سورة القارعة و سورة التكاثر مكتوبة بالرسم العثماني
سُورَةُ القَارِعَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم

ٱلۡقَارِعَةُ (1) مَا ٱلۡقَارِعَةُ (2) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ (3) يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ (4) وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ (5) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ (7) وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ (8) فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ (9) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ (10) نَارٌ حَامِيَةُۢ (11)
سُورَةُ التَّكَاثُرِ

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ (4) كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسۡ‍َٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ (8)

التفسير الميسر الصفحة رقم 600 من القرآن الكريم

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10)

واستُخرج ما استتر في الصدور من خير أو شر.

إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)

إن ربهم بهم وبأعمالهم يومئذ لخبير, لا يخفى عليه شيء من ذلك.

101 – سورة القارعة – مكية – عدد آياتها 11

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْقَارِعَةُ (1)

الساعة التي تقرع قلوب الناس بأهوالها.

مَا الْقَارِعَةُ (2)

أيُّ شيء هذه القارعة؟

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)

وأيُّ شيء أعلمك بها؟

يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4)

في ذلك اليوم يكون الناس في كثرتهم وتفرقهم وحركتهم كالفراش المنتشر، وهو الذي يتساقط في النار.

وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5)

وتكون الجبال كالصوف متعدد الألوان الذي يُنْفَش باليد, فيصير هباء ويزول.

فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7)

فأما من رجحت موازين حسناته, فهو في حياة مرضية في الجنة.

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)

وأما من خفت موازين حسناته, ورجحت موازين سيئاته, فمأواه جهنم.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10)

وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه الهاوية؟

نَارٌ حَامِيَةٌ (11)

إنها نار قد حَمِيت من الوقود عليها.

102 – سورة التكاثر – مكية – عدد آياتها 8

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ (1)

شغلكم عن طاعة الله التفاخر بكثرة الأموال والأولاد.

حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ (2)

واستمر اشتغالكم بذلك إلى أن صرتم إلى المقابر, ودُفنتم فيها.

كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3)

ما هكذا ينبغي أن يُلْهيكم التكاثر بالأموال, سوف تتبيَّنون أن الدار الآخرة خير لكم.

ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)

ثم احذروا سوف تعلمون سوء عاقبة انشغالكم عنها.

كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ (8)

ما هكذا ينبغي أن يلهيكم التكاثر بالأموال, لو تعلمون حق العلم لانزجرتم, ولبادرتم إلى إنقاذ أنفسكم من الهلاك. لتبصرُنَّ الجحيم, ثم لتبصرُنَّها دون ريب, ثم لتسألُنَّ يوم القيامة عن كل أنواع النعيم.

تفسير الجلالين الصفحة رقم 600 من القرآن الكريم

10 – (وحصل) بين وأفرز (ما في الصدور) القلوب من الكفر والإيمان
11 – (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) لعالم فيجازيهم على كفرهم أعيد الضمير جمعا نظرا لمعنى الإنسان وهذه الجملة دلت على مفعول يعلم أي إنا نجازيه وقت ما ذكر وتعلق خبير بيومئذ وهو تعالى خبير دائما لأنه يوم المجازاة

سورة القارعة

1 – (القارعة) القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها
2 – (ما القارعة) تهويل لشأنها وهما مبتدأ وخبر خبر القارعة
3 – (وما أدراك) أعلمك (ما القارعة) زيادة تهويل لها وما الأولى مبتدأ وما بعدها خبره وما الثانية وخبرها في محل المفعول الثاني لأدرى
4 – (يوم) ناصبة دل عليه القارعة أي تقرع (يكون الناس كالفراش المبثوث) كغوغاء الجراد المنتشر يموج بعضهم في بعض للحيرة إلى أن يدعوا للحساب
5 – (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) كالصوف المندوف في خفة سيرها حتى تستوي مع الأرض
6 – (فأما من ثقلت موازينه) بأن رجحت حسناته على سيئاته
7 – (فهو في عيشة راضية) في الجنة أي ذات رضى بأن يرضاها أي مرضية له
8 – (وأما من خفت موازينه) بأن رجحت سيئاته على حسناته
9 – (فأمه) فمسكنه (هاوية)
10 – (وما أدراك ما هيه) أي ما هاوية
11 – هي (نار حامية) شديدة الحرارة وهاء هيه للسكت تثبت وصلا ووفقا وفي قراءة تحذف وصلا

سورة التكاثر

1 – (ألهاكم) شغلكم عن طاعة الله (التكاثر) التفاخر بالأموال والأولاد والرجال
2 – (حتى زرتم المقابر) بأن متم فدفنتم فيها أو عددتم الموتى تكاثرا
3 – (كلا) ردع (سوف تعلمون)
4 – (ثم كلا سوف تعلمون) سوء عاقبة تفاخركم عند النزع ثم في القبر
5 – (كلا) حقا (لو تعلمون علم اليقين) علما يقينا عاقبة التفاخر ما اشتغلتم به
6 – (لترون الجحيم) النار جواب قسم محذوف وحذف منه لام الفعل وعينه والقيت حركتها على الراء
7 – (ثم لترونها) تأكيد (عين اليقين) مصدر لأن رأى وعاين بمعنى واحد
8 – (ثم لتسألن) حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين (يومئذ) يوم رؤيتها (عن النعيم) ما يلتذ به في الدنيا من الصحة والفراغ والأمن والمطعم والمشرب وغير ذلك

المختصر في تفسير القرآن الكريم الصفحة 600 من المصحف

فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8)

6 – إن الإنسان لمَنُوع للخير الَّذي يريده منه ربه.
7 – وإنه على منعه للخير لشاهد، لا يستطيع إنكار ذلك لوضوحه.
8 – وإنه لفرط حبه للمال يبخل به.
9 – أفلا يعلم هذا الإنسان المغترّ بالحياة الدنيا إذا بعث الله ما في القبور من الأموات وأخرجهم من الأرض للحساب والجزاء أن الأمر لم يكن كما كان يتوهم؟!
10 – وأُبْرِز وبُيِّن ما في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها.
11 – إن ربهم بهم في ذلك اليوم لخبير، لا يخفى عليه من أمر عباده شيء، وسيجازيهم على ذلك.
سورة القارعة
– مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
قرع القلوب لاستحضار هول القيامة.

[التَّفْسِيرُ]
1 – الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها.

2 – ما هذه الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها؟!
3 – وما أعلمك -أيها الرسول- ما هذه الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها؟! إنها يوم القيامة.
4 – يوم تقرع قلوب الناس يكونون كالفراش المُنْتَشِر المتناثر هنا وهناك.
5 – وتكون الجبال مثل الصوف المَنْدُوف في خفة سيرها وحركتها.
6 – فأما من رجحت أعماله الصالحة على أعماله السيئة.

7 – فهو في عيشة مرضية ينالها في الجنّة.

8 – وأما من رجحت أعماله السيئة على أعماله الصالحة.

9 – فمسكنه ومستقرّه يوم القيامة هو جهنم.

10 – وما أعلمك -أيها الرسول- ما هي؟!

11 – هي نار شديدة الحرارة.

سورة التكاثر
– مَكيّة-

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ]
تذكير المنشغلين بالدنيا بالموت والحساب.

[التَّفْسِيرُ]
1 – شغلكم -أيها الناس- التفاخر بالأموال والأولاد عن طاعة الله.

2 – حتَّى متُّم ودخلتم قبوركم.

3 – ما كان لكم أن يشغلكم التفاخر بها عن طاعة الله، سوف تعلمون عاقبة ذلك الانشغال.

4 – ثم سوف تعلمون عاقبته.

5 – حقًّا لو أنكم تعلمون يقينًا أنكم مبعوثون إلى الله، وأنه سيجازيكم على أعمالكم؛ لما انشغلتم بالتفاخر بالأموال والأولاد.

6 – والله لتشاهدن النار يوم القيامة.

7 – ثم لتشاهدنها مشاهدة يقين لا شك فيه.

8 – ثم ليسألنكم الله في ذلك اليوم عما أنعم به عليكم من الصحة والغنى وغيرهما.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• خطر التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد.
• القبر مكان زيارة سرعان ما ينتقل منه الناس إلى الدار الآخرة.
• يوم القيامة يُسْأل الناس عن النعيم الَّذي أنعم به الله عليهم في الدنيا.
• الإنسان مجبول على حب المال.

الصفحة رقم 600 من القرآن الكريم مكتوبة من المصحف

تفسير السعدي تفسير الصفحة 600 من المصحف



وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ( 10 

) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ( 11 

) .

( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ 

) أي: ظهر وبان [ ما فيها و ] ما استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار السر علانية، والباطن ظاهرًا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم.
( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ 

) أي مطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، ومجازيهم عليها. وخص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل وقت، لأن المراد بذلك، الجزاء بالأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه.

تفسير سورة القارعة

[ وهي ] مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقَارِعَةُ ( 1 

) مَا الْقَارِعَةُ ( 2 

) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ( 3 

) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 

) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 

) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ( 6 

) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ( 7 

) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ( 8 

) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ( 9 

) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ( 10 

) نَارٌ حَامِيَةٌ ( 11 

) .

( الْقَارِعَةُ 

) من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: ( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ 

) من شدة الفزع والهول، ( كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث 

) أي: كالجراد المنتشر، الذي يموج بعضه في بعض، والفراش: هي الحيوانات التي تكون في الليل، يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه، فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها، فهذه حال الناس أهل العقول، وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون ( كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ 

) أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ضعيفًا جدًا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ثم بعد ذلك، تكون هباء منثورًا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، ( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ 

) أي: رجحت حسناته على سيئاته ( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ 

) في جنات النعيم.
( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ 

) بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته.
( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ 

) أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية، تكون له بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا .
وقيل: إن معنى ذلك، فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى في النار على رأسه.
( وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ 

) وهذا تعظيم لأمرها، ثم فسرها بقوله هي: ( نَارٌ حَامِيَةٌ 

) أي: شديدة الحرارة، قد زادت حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفًا. نستجير بالله منها.

تفسير سورة ألهاكم التكاثر

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ( 1 

) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ( 2 

) كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 

) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 

) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 

) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 

) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 

) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 

) .

يقول تعالى موبخًا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا شريك له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء: ( أَلْهَاكُمُ 

) عن ذلك المذكور ( التَّكَاثُرُ 

) ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى. .
فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [ وتشاغلكم ] ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ 

) فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه.
ودل قوله: ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ 

) أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية ، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين.
فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله: ( كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ 

) أي: لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة.
ولكن عدم العلم الحقيقي، صيركم إلى ما ترون، ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ 

) أي: لتردن القيامة، فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين.
( ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ 

) أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا .
( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ 

) الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيمًا أعلى منه وأفضل.
أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره؟ بل ربما استعنتم به على معاصي الله فيعاقبكم على ذلك، قال تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ الآية.

تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 600 من المصحف



 تفسير ابن كثير – صفحة  القرآن رقم 600

600 : تفسير الصفحة رقم 600 من  القرآن الكريم

( سورة القارعة )

الآيات ( 101 1 11 )
مقدمة تفسير سورة القارعة بسم الله الرحمن الرحيم سورة القارعة وهي
مكية القارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك ثم قال تعالى معظما أمرها ومهولا لشأنها ( وما أدراك ما القارعة ) ثم فسر ذلك بقوله ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث كما قال تعالى في الآية الأخرى ( كأنهم جراد منتشر ) وقوله تعالى ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) يعني قد صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخرساني والضحاك والسدي ( العهن ) الصوف ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه عمل العاملين وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم فقال ( فأما من ثقلت موازينه ) أي رجحت حسناته على سيئاته ( فهو في عيشة راضية ) يعني في الجنة ( وأما من خفت موازينه ) أي رجحت سيئاته على حسناته وقوله تعالى ( فأمه هاوية ) قيل معناه فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم وعبر عنه بأمه يعني دماغه روي نحو هذا عن بن عباس وعكرمة وأبي صالح وقتادة قال قتادة يهوي في النار على رأسه وكذا قال أبو صالح يهوون في النار على رؤوسهم وقيل معناه فأمه التي يرجع إليها ويصير في المعاد إليها هاوية وهي اسم من أسماء النار قال بن جرير وإنما قيل للهاوية أمه لأنه لا مأوى له غيرها وقال بن زيد الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوى إليها وقرأ ( ومأواهم النار ) قال بن أبي حاتم وروي عن قتادة أنه قال هي النار وهي مأواهم ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية ( وما أدراك ماهيه نار حامية ) قال بن جرير حدثنا بن عبد الأعلى حدثنا بن ثور عن معمر عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا قال ويسألونه ما فعل فلان فيقول مات أو جاءكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية وقد رواه بن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا بأبسط من هذا وقد أوردناه في كتاب صفة النار أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه وقوله تعالى ( نار حامية ) أي حارة شديدة الحر قوية اللهب والسعير قال أبو مصعب 2098 عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي قال نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا يا رسول الله إن كانت لكافية فقال إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ورواه البخاري 3265 عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك ورواه مسلم 2843 عن قتيبة عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به وفي بعض ألفاظه أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها وقال الإمام أحمد 2467 حدثنا عبد الرحمن حدثنا حماد وهو بن سلمة عن محمد بن زياد سمعت أبا هريرة يقول سمعت أبا القاسم يقول نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم فقال رجل إن كانت لكافية فقال لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم وروى الإمام أحمد أيضا 2244 حدثنا سفيان عن أبي الزياد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي وعمرو عن يحيى بن جعدة إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري ناركم هذه جزء من سبعين جزءا وقد قال الإمام أحمد 2379 حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز هو بن محمد الدراوردي عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم تفرد به أيضا من هذا الوجه وهو على شرط مسلم أيضا وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عمرو الخلال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله أتدرون
مامثل ناركم هذه من نار جهنم لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا وقد رواه أبو مصعب 2099 عن مالك ولم يرفعه وروى الترمذي 2591 وبن ماجة 4320 عن عباس الدوري عن يحيى بن أبي بكير حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب وجاء في الحديث عند الإمام أحمد من طريق أبي عثمان النهدي عن أنس 313 وأبي نضرة المعبدي عن أبي سعيد 2432 وعجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي أنه قال إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه وثبت في الصحيحين أن رسول الله قال اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها وأشد ما تجدون في الصيف من حرها وفي الصحيحين إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم آخر تفسير

( سورة التكاثر )

الآيات ( 102 1 8 )
مقدمة تفسير سورة التكاثر بسم الله الرحمن الرحيم سورة التكاثر وهي
مكية يقول تعالى أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها قال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا زكريا بن يحيى الوقاد المصري حدثني خالد بن عبد الدائم عن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال رسول الله ( ألهاكم التكاثر ) عن الطاعة ( حتى زرتم المقابر ) حتى يأتيكم الموت وقال الحسن البصري ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد وفي صحيح البخاري في الرقاق 6440 منه وقال أخبرنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك عن أبي بن كعب قال كنا نرى هذا من  القرآن حتى نزلت ( ألهاكم التكاثر ) يعني لو كان لأبن آدم واد من ذهب وقال الإمام أحمد 424 حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال انتهيت إلى رسول الله وهو يقول ( ألهاكم التكاثر ) يقول بن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ورواه مسلم 2958 والترمذي 2342 والنسائي 6238 من طريق شعبة به وقال مسلم في صحيحه 2959 حدثنا سويد بن سعيد حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فاقتنى وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس تفرد به مسلم وقال البخاري 6514 حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم سمع أنس بن مالك يقول قال رسول الله يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله وكذا رواه مسلم 2960 والترمذي 2379 والنسائي 453 من حديث سفيان بن عيينة به وقال الإمام أحمد 3115 حدثنا يحيى عن شعبة حدثنا قتادة عن أنس أن النبي قال يهرم بن آدم ويبقى معه اثنتان الحرص والأمل أخرجاه في الصحيحين وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس واسمه الضحاك أنه رأى في يد رجل درهما فقال لمن هذا الدرهم فقال الرجل لي فقال إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر
أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك
وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة قال صالح بن حيان حدثني عن بن بريدة في قوله ( ألهاكم التكاثر ) قال نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما
فيكم مثل فلان بن فلان وفلان وقال الآخرون مثل ذلك تفاخروا بالأحياء ثم قالوا إنطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور ومثل فلان وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل وقال قتادة ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان ونحن أعد من بني فلان وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم والله مازالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم والصحيح أن المراد بقوله زرتم المقابر أي صرتم إليها ودفنتم فيها كما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده فقال لا بأس طهور إن شاء الله فقال قلت طهور بل هي حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور قال فنعم إذن وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أخبرنا حكام بن سالم الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن الحجاج عن المنهال عن زر بن حبيش عن علي قال ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) ورواه الترمذي 3355 عن أبي كريب عن حكام بن سالم به وقال غريب وقال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سلمة بن داود العرضي حدثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) فلبث هنيهة ثم قال يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله قال أبو محمد يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية ( حتى زرتم المقابر ) فقال بعث اليوم ورب الكعبة أي إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره وقوله تعالى ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ) قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد وقال الضحاك ( كلا سوف تعلمون ) يعني أيها الكفار ( ثم كلا سوف تعلمون ) يعني أيها المؤمنون وقوله تعالى ( كلا لو تعلمون علم اليقين ) أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ثم قال ( لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ) هذا تفسير الوعيد المتقدم وهو قوله ( كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ) توعدهم بهذا الحال وهو رؤية أهل النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروي في ذلك وقوله تعالى ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا زكريا بن يحيى الجزار المقرئ حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الجزار حدثنا يونس بن عبيد عن عكرمة عن بن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول خرج رسول الله عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال ما أخرجك هذه الساعة فقال أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله قال وجاء عمر بن الخطاب فقال ما أخرجك يا بن الخطاب قال أخرجني الذي أخرجكما قال فقعد عمر وأقبل رسول الله يحدثهما ثم قال هل بكما من قوة تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلا قلنا نعم قال مروا بنا إلى منزل بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري قال فتقدم رسول الله بين أيدينا فسلم واستأذن ثلاث مرات وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام تريد أن يزيدها رسول الله من السلام فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم فقالت يا رسول الله قد والله سمعت تسليمك ولكن أردت أن تزيدني من سلامك فقال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيرا ثم قال أين أبو الهيثم لا أراه قالت يا رسول الله هو قريب ذهب يستعذب الماء أدخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطا تحت شجرة فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقا فقال له رسول الله حسبك يا أبا الهيثم فقال يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه ومن تذنوبه ثم أتاهم بماء فشربوا عليه فقال رسول الله هذا من النعيم الذي تسألون عنه هذا غريب من هذا الوجه وقال بن جرير حدثني الحسين بن علي الصدائي حدثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي فقال ما أجلسكما قالا والذي
بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع قال والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار فاستقبلتهم المرأة فقال لها النبي أين فلان فقالت ذهب يستعذب لنا ماء فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال مرحبا ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق فقال النبي ألا كنت اجتنيت فقال أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم ثم أخذ الشفرة فقال له النبي إياك والحلوب فذبح لهم يومئذ فأكلوا فقال له النبي لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا فهذا من النعيم ورواه مسلم 2038 من حديث يزيد بن كيسان به ورواه أبو يعلى 78 وبن ماجة 3181 من حديث المحاربي عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق به وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحو من هذا السياق وهذه القصة وقال الإمام أحمد 581 حدثنا سريج حدثنا حشرج عن أبي نضرة عن أبي عسيب يعني مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط أطعمنا فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب وقال لتسئلن عن هذا يوم القيامة قال فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ثم قال يا رسول الله إنا لمسؤلون عن هذا يوم القيامة قال نعم إلا من ثلاثة خرقة لف بها الرجل عورته أو كسرة سد بها جوعته أو جحر يدخل فيه من الحر والقر تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد 3351 حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد حدثنا عمار سمعت جابر بن عبد الله يقول أكل رسول الله وأبو بكر وعمر رطبا وشربوا ماء فقال رسول الله هذا من النعيم الذي تسألون عنه ورواه النسائي 6246 من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن جابر به وقال الإمام أحمد حدثنا أحمد 5429 حدثنا يزيد حدثنا محمد بن عمرو عن صفوان بن سليم عن محمود بن الربيع قال لما نزلت ( ألهاكم التكاثر ) فقرأ حتى بلغ ( لتسئلن يومئذ عن النعيم ) قالوا يا رسول الله عن أي نعيم نسأل وإنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر فعن أي نعيم نسأل قال أما إن ذلك سيكون وقال أحمد 5372 حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا معاذ بن عبد الله بن حبيب عن أبيه عن عمه قال كنا في مجلس فطلع علينا النبي وعلى رأسه أثر ماء فقلنا يا رسول الله نراك طيب النفس قال أجل قال ثم خاض الناس في ذكر الغنى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا بأس بالغنى لمن اتقى الله والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى وطيب النفس من النعيم ورواه بن ماجة 2141 عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن عبد الله بن سليمان به وقال الترمذي 3358 حدثنا عبد بن حميد حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عزرب الأشعري قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال النبي إن أول ما يسئل عنه يعني يوم القيامة العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك بدنك ونروك من الماء البارد تفرد به الترمذي ورواه بن حبان في صحيحه 7364 من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبير به وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن يحيى بن حاطب عن عبد الله بن الزبير قال قال الزبير لما نزلت ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) قالوا يا رسول الله لأي نعيم نسئل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال إن ذلك سيكون وقد رواه الترمذي 3356 وبن ماجة 4158 من حديث سفيان هو بن عيينة به ورواه أحمد 1164 عنه وقال الترمذي حسن وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال لما نزلت هذه الآية ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) قال الصحابة يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير فأوحى الله إلى نبيه قل لهم أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد فهذا من النعيم وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن بن أبي ليلى
أظنه عن عامر عن بن مسعود عن النبي في قوله ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) قال الأمن والصحة وقال زيد بن أسلم عن رسول الله ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم رواه بن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة وقال سعيد بن جبير حتى عن شربة عسل وقال مجاهد عن كل لذة من لذات الدنيا وقال الحسن البصري من النعيم الغداء والعشاء وقال أبو قلابة من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي وقول مجاهد أشمل هذه الأقوال وقال علي بن أبي طلحة عن بن عباس ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) قال النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله تعالى ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) وثبت في صحيح البخاري 6412 وسنن الترمذي 2304 والنسائي وبن ماجة 4170 من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن بن عباس قال قال رسول الله نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون وقال الحافظ أبو بكر البزار 3646 حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي حدثنا علي بن الحسين بن شقيق حدثنا أبو حمزة عن ليث عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن بن عباس قال قال رسول الله ما فوق الإزار وظل الحائط وخبز يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه ثم قال لا نعرفه إلا بهذا الإسناد وقال الإمام أحمد 2492 حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد قال عفان في حديثه قال إسحاق بن عبد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال يقول الله عز وجل قال عفان يوم القيامة يا بن آدم حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك تفرد به من هذا الوجه  

الصفحة رقم 600 من القرآن الكريم مكتوبة من المصحف

تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن تفسير الصفحة 600 من المصحف



 تفسير القرطبي – صفحة  القرآن رقم 600

600- تفسير الصفحة رقم600 من  المصحف
“وحصل ما في الصدور” أي ميز ما فيها من خير وشر؛ كذا قال المفسرون: وقال ابن عباس: أبرز. وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم “وحصل” بفتح الحاء وتخفيف الصاد وفتحها؛ أي ظهر. “إن ربهم بهم يومئذ لخبير” أي عالم لا يخفى عليه منهم خافية. وهو عالم بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم. وقوله : “إذا بعثر” العامل في “إذا”: “بعثر”، ولا يعمل فيه “يعلم”؛ إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت، إنما يراد في الدنيا. ولا يعمل فيه “خبير”؛ لأن ما بعد “إن” لا يعمل فيما قبلها. والعامل في “يومئذ” : “خبير”، وإن فصلت اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء. وإنما دخلت في الخبر لدخول “إن” على المبتدأ. ويروى أن الحجاج قرأ هذه السورة على المنبر يحضهم على الغزو، فجرى على لسانه: “أن ربهم” بفتح الألف، ثم استدركها فقال: “خبير” بغير لام. ولولا اللام لكانت مفتوحة، لوقوع العلم عليها. وقرأ أبو السمال “أن ربهم بهم يومئذ خبير”. والله سبحانه وتعالى أعلم.
سورة القارعة
الآية: 1 – 3 {القارعة، ما القارعة، وما أدراك ما القارعة

}
قوله تعالى: “القارعة، ما القارعة” أي القيامة والساعة؛ كذا قال عامة المفسرين. وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها. وأهل اللغة يقولون: تقول العرب قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة؛ إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر:
وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لزاحت عنك حينا
وقال آخر:
متى تقرع بمروتكم نسؤكم ولم توقد لنا في القدر نار
وقال تعالى: “ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة” [الرعد: 31] وهي الشديدة من شدائد الدهر. “ما القارعة” استفهام؛ أي أي شيء هي القارعة؟ وكذا “وما أدراك ما القارعة” كلمة استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كما قال: “الحاقة. ما الحاقة. وما أدراك ما الحاقة” [الحاقة: 1] على ما تقدم.
الآية: 4 {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث

}
قوله تعالى: “يوم” منصوب على الظرف، تقديره: تكون القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. قال قتادة: الفراش الطير الذي يتساق في النار والسراج. الواحد فراشة، وقاله أبو عبيدة. وقال الفراء: إنه الهمج الطائر، من بعوض وغيره؛ ومنه الجراد. ويقال: هو أطيش من فراشه. وقال:
طويش من نفر أطياش أطيش من طائرة الفراش
وقال آخر:
وقد كان أقوام رددت قلوبهم إليهم وكانوا كالفراش من الجهل
وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أو قد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا أخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي). وفي الباب عن أبي هريرة. والمبثوث المتفرق. وقال في موضع آخر: “كأنهم جراد منتشر” [القمر: 7]. فأول حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكونون كالجراد، لأن لها وجها تقصده. والمبثوث: المتفرق والمنتشر. وإنما ذكر على اللفظ: كقوله تعالى: “أعجاز نخل منقعر” [القمر: 20] ولو قال المبثوثة [فهو] كقوله تعالى: “أعجاز نخل خاوية” [الحاقة: 7]. وقال ابن عباس والفراء: “كالفراش المبثوث” كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضا. كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا.
الآية: 5 {وتكون الجبال كالعهن المنفوش

}
أي الصوف الذي ينفش باليد، أي تصير هباء وتزول؛ كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: “هباء منبثا” [الواقعة: 6] وأهل اللغة يقولون: العهن الصوف المصبوغ. وقد مضى في سورة “سأل سائل”.
الآية: 6 – 11 {فأما من ثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه، فأمه هاوية، وما أدراك ما هيه، نار حامية

}
قد تقدم القول في الميزان في “الأعراف والكهف والأنبياء”. وأن له كفة ولسانا توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسانات والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل يزن أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجوع. وقيل: موازين، كما قال:
فلكل حادثة لها ميزان
وقد ذكرناه فيما تقدم. وذكرناه أيضا في كتاب “التذكرة” وقيل: إن الموازين الحجج والدلائل، قاله عبدالعزيز بن يحيى، واستشهد بقول الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه
“عيشة راضية” أي عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: “عيشة راضية” أي فاعلة للرضا،وهو اللين والانقياد لأهلها. فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا، كالفرش المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله أتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع كهيئتها، ومثل الشجرة فرعها، كذلك أيضا من الارتفاع، فإذا أشتهى ولي الله ثمرتها تدلت إليه، حتى يتناولها ولي الله قاعدا وقائما، وذلك قوله تعالى: “قطوفها دانية” [الحاقة: 23]. وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، علوا وسفلا، وذلك قوله تعالى: “يفجرونها تفجيرا” [الإنسان: 6]. فيروى في الخبر (إنه يشير بقضيبه فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه). فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من نفسها، فهي فاعلة للرضا، وهي أنزلت وانقادت بذلا وسماحة. “فأمه هاوية” يعني جهنم. وسماها أما، لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد وسميت النار هاوية، لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال قتادة: معنى “فأمه هاوية” فمصيره إلى النار. عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. الأخفش: “أمه”: مستقره، والمعنى متقارب. وقال الشاعر:
يا عمرو لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية
والهاوية: المهواة. وتقول: هوت أمه، فهي هاوية، أي ثاكلة، قال كعب بن سعد الغنوي:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يؤدي الليل حين يؤوب
والمهوي والمهواة: ما بين الجبلين، ونحو ذلك. وتهاوى القوم في المهواة: إذا سقط بعضهم في إثر بعض. “وما أدراك ما هيه” الأصل “ما هي” فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وابن محيصن “ما هي نار” بغير هاء في الوصل، ووقفوا بها. وقد مضى في سورة الحاقة بيانه. “نار حامية” أي شديدة الحرارة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم) قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها). وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه، لأنه وضع فيه الحق، وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خف ميزان من خف ميزانه، لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفا. وفي الخبر عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول ذلك مات قبلي، أما بربكم؟ فيقولون لا والله، فيقول إنا لله وإنا إليه راجحون! ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية). وقد ذكرناه بكماله في كتاب “التذكرة”، والحمد لله.
سورة التكاثر
الآية: 1 – 2 {ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر

}
قوله تعالى: “ألهاكم التكاثر” “ألهاكم” شغلكم. قال:
فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر. وقيل ” ألهاكم”: أنساكم. “التكاثر” أي من الأموال والأولاد، قال ابن عباس والحسن. وقال قتادة: أي التفاخر بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك: أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة. يقال: لهيت عن كذا (بالكسر) ألهى لهيا ولهيانا: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه. وألهاه: أي شغله. ولهاه به تلهية أي علله. والتكاثر: المكاثرة. قال مقاتل وقتادة وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا. وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني: سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو عبد مناف سهما. ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت “ألهاكم التكاثر” بأحيائكم فلم ترضوا ” حتى زرتم المقابر” مفتخرين بالأموات. وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان؛ وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله مازالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة قال: نزلت في أهل الكتاب.
قلت: الآية تعم جميع ما ذكر وغيره. وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ “ألهاكم التكاثر” قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت (وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس). وروى البخاري عن ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). قال ثابت عن أنس عن أبي: كنا نرى هذا من  القرآن، حتى نزلت “ألهاكم التكاثر”. قال ابن العربي: وهذا نص صحيح مليح، غاب عن أهل التفسير فجهلوا والحمد لله على المعرفة. وقال ابن عباس: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم “ألهاكم التكاثر” قال: (تكاثر الأموال: جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدها في الأوعية).
قوله تعالى: “حتى زرتم المقابر” أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوار، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره. وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات، على ما تقدم. وقيل: هذا وعيد. أي أشغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل. “المقابر” جمع مقبرة ومقبرة (بفتح الباء وضمها). والقبور: جمع القبر قال:
أرى أهل القصور إذا أميتوا بنوا فوق المقابر بالصخور
أبوا إلا مباهاة وفخرا على الفقراء حتى في القبور
وقد جاء في الشعر (المقبر) قال:
لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
وهو المقبري والمقبري: لأبي سعيد المقبري؛ وكان يسكن المقابر. وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا، أي دفنته. وأقبرته أي أمرت بأن يقبر. وقد مضى في سورة “عبس ” القول فيه. والحمد لله.
لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة) رواه ابن مسعود؛ أخرجه ابن ماجه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (فإنها تذكر الموت). وفي الترمذي عن بريدة: (فإنها تذكر الآخرة). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور. قال: وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور؛ فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن.
قلت: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء. أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك. وجائز لجميعهن. ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال؛ ولا يختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله: (زوروا القبور) عاما. وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز. فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم.
قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن أنتفع بالإكثار من ذكر الموت، وأنجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب؛ فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من أحتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبل من الأول؛ قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الخبر كالمعاينة) رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتضرين، فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر. فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأحداث فقط؛ فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة. ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت بما يتلو عنده من  القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه؛ فكذلك ها هنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا المال، وجمعوا الأموال؛ كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم. وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب. وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه. وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآل كمآله. وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه.
الآية: 3 – 4 {كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون

}
قوله تعالى: “كلا” قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا “كلا سوف تعلمون” أي سوف تعلمون عاقبة هذا “ثم كلا سوف تعلمون”: وعيد بعد وعيد؛ قاله مجاهد. ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ؛ وهو قول الفراء. وقال ابن عباس: “كلا سوف تعلمون” ما ينزل بكم من العذاب في القبر. “ثم كلا سوف تعلمون”: وعيد بعد الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة؛ فالتكرار للحالتين. وقيل “كلا سوف تعلمون” عند المعاينة، أن ما دعوتكم إليه حق. “ثم كلا سوف تعلمون”: عند البعث أن ما وعدتكم به صدق. وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه، قاله: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة، فأشار إلى أن قوله: “كلا سوف تعلمون” يعني في القبور. وقيل: “كلا سوف تعلمون”؛ إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم. “ثم كلا سوف تعلمون: إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع منكم الجواب.
قلت: فتضمنت السورة القول في عذاب القبر. وقد ذكرنا في كتاب “التذكرة” أن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم؛ حسبما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره، برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره، من كرامة وهوان. وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. وقد ذكرناه هناك مستوفى، والحمد لله، وقيل: “كلا سوف تعلمون” عند النشور أنكم مبعوثون” ثم كلا سوف تعلمون” في القيامة أنكم معذبون. وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر، وسؤال وعرض، إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها؛ حسب ما ذكرناه في كتاب “التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة”. وقال الضحاك: “كلا سوف تعلمون” يعني الكفار، “ثم كلا سوف تعلمون”: قال المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها، الأولى بالتاء والثانية بالياء.
الآية: 5 {كلا لو تعلمون علم اليقين

}
قوله تعالى: “كلا لو تعلمون علم اليقين” أعاد “كلا” وهو زجر وتنبيه، لأنه عقب كل واحد بشيء آخر؛ كأنه قال: لا تفعلوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب. وإضافة العلم إلى اليقين، كقوله تعالى: “إن هذا لهو حق اليقين” [الواقعة: 95]. وقيل: اليقين ها هنا:] الموت؛ قاله قتادة. وعنه أيضا: البعث؛ لأنه إذا جاء زال الشك، أي لو تعلمون علم البعث وجواب “لو” محذوف؛ أي لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وأنشقت اللحود عن جثثكم، كيف يكون حشركم؟ لشغلكم ذاك عن التكاثر بالدنيا. وقيل: “كلا لو تعلمون علم اليقين” أي لو قد تطايرت الصحف، فشقي وسعيد. وقيل: إن “كلا” في هذه المواضع الثلاثة بمعنى “ألا” قاله ابن أبي حاتم، وقال الفراء: هي بمعنى “حقا” وقد تقدم الكلام فيها مستوفى.
الآية: 6 – 7 {لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين

}
قوله تعالى: “لترون الجحيم” هذا وعيد آخر. وهو على إضمار القسم؛ أي لترون الجحيم في الآخرة. والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. وقيل: هو عام؛ كما قال: “وإن منكم إلا واردها” [مريم: 71] فهيئ للكفار دار، وللمؤمنين ممر. وفي الصحيح: (فيمر أولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير…) الحديث. وقد مضى في سورة “مريم”. وقرأ الكسائي وابن عامر “لترون” بضم التاء، من رأيته الشيء؛ أي تحشرون إليها فترونها. وعلى فتح التاء، هي قراءة الجماعة؛ أي لترون الجحيم بأبصاركم على البعد. “ثم لترونها عين اليقين” أي مشاهدة. وقيل: هو إخبار عن دوام مقامهم في النار؛ أي هي رؤية دائمة متصلة. والخطاب على هذا للكفار. وقيل: معنى “لو تعلمون علم اليقين” أي لو تعلمون اليوم في الدنيا، علم اليقين فيما أمامكم، مما وصفت: “لترون الجحيم” بعيون قلوبكم؛ فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك؛ وهو أن تتصور لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها. “ثم لترونها عين اليقين”: أي عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن عينك. ” ثم لتسألن يومئذ عن النعيم”: في موقف السؤال والعرض.
الآية: 8 {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم

}
قوله تعالى: “ثم لتسألن يومئذ عن النعيم” روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال: ( ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة)؟ قالا: الجوع يا رسول الله. قال:(وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما) فقاما معه؛ فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين فلان)؟ قالت: يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبيه، وثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضافيا مني. قال: فانطلق، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا؛ فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم، يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم). خرجه الترمذي، وقال [فيه]: (هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد) وكنى الرجل الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم ابن التيهان. وذكر قصته.
قلت: اسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى أبا الهيثم. وفي هذه القصة يقول عبدالرحمن رواحة، يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان:
فلم أر كالإسلام عزا لأمة ولا مثل أضياف الإراشي معشرا
نبي وصديق وفاروق أمة وخير بني حواء فرعا وعنصرا
فوافوا لميقات وقدر قضية وكان قضاء الله قدرا مقدرا
إلى رجل نجد يباري بجوده شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا
وفارس خلق الله في كل غارة إذا لبس القوم الحديد المسمرا
ففدى وحيا ثم أدنى قراهم فلم يقرهم إلا سمينا متمرا
وقد ذكر أبو نَعَم الحافظ، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه، فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه، فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: (أطعمنا بسرا) فجاء بعذق، فوضعه فأكلوا، ثم دعا بماء فشرب، فقال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة) قال: وأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: (نعم إلا من ثلاث: كسرة يسد بها جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يأوي فيه من الحر والقر). واختلف أهل التأويل في النعيم المسؤول عنه على عشرة أقوال:
أحدها: الأمن والصحة؛ قال ابن مسعود. الثاني: الصحة والفراغ؛ قال سعيد بن جبير. وفي البخاري عنه عليه السلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). الثالث:الإدراك بحواس السمع والبصر؛ قال ابن عباس. وفي التنزيل: “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” [الإسراء: 36]. وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتي بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا، ومالا وولدا 000 )، الحديث. خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح. الرابع: ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبدالله الأنصاري. وحديث أبي هريرة يدل عليه. الخامس: أنه الغداء والعشاء؛ قال الحسن. السادس: قول مكحول الشامي: أنه شبع البطون وبارد الشراب،وظلال المساكن، واعتدال الخلق؛ ولذة النوم. ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتسألن يومئذ عن النعيم) يعني عن شبع البطون 000). فذكره. ذكره الماوردي،وقال: وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية. وقال قوم: هذا السؤال عن كل نعمة، إنما يكون في حق الكفار، فقد روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان، من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال عليه السلام: (ذلك للكفار؛ثم قرأ: “وهل نجازي إلا الكفور” [سبأ: 17]. ذكره القشيري أبو نصر. وقال الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال القشيري: والجمع بين الأخبار: أن الكل يسألون، ولكن سؤال الكفار توبيخ، لأنه قد ترك الشكر. وسؤال المؤمن سؤال تشريف، لأنه شكر. هذا النعيم في كل نعمة.
قلت: هذا القول حسن، لأن اللفظ يعم. وقد ذكر الفريابي قال: حدثنا ورقاء ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله تعالى: “ثم لتسألن يومئذ عن النعيم” قال: كل شيء من لذة الدنيا. وروى أبو الأحوص عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة، حتى يعد عليه: سألتني فلانة أن أزوجكها، فيسميها باسمها، فزوجتكها). وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: “ثم لتسألن يومئذ عن النعيم” قال الناس: يا رسول الله، عن أي النعيم نسأل؟ فإنما هما الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا. قال: (إن ذلك سيكون). وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة – يعني العبد – أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونرويك من الماء البارد) قال: حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، فيوقفه بين يديه، فيسأله عن جاهه كما يسأل عن ماله). والجاه من نعيم الدنيا لا محالة. وقال مالك رحمه الله: إنه صحة البدن، وطيب النفس. وهو القول السابع. وقيل: النوم مع الأمن والعافية. وقال سفيان بن عيينة: إن ما سد الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس، لا يسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما يسأل عن النعيم. قال: والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة. فقال له: “إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى” [طه: 118]. فكانت هذه الأشياء الأربعة – ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يستكن فيه من الحر، ويستر به عورته – لآدم عليه السلام بالإطلاق، لا حساب عليه فيها، لأنه لابد له منها.
قلت: ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر، قال: إن مما لا يسأل عنه العبد لباسا يواري سوأته، وطعاما يقيم صلبه، ومكانا يكنه من الحر والبرد.
قلت: وهذا منتزع من قول عليه السلام: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء) خرجه الترمذي. وقال النضر بن شميل: جلف الخبز: ليس معه إدام. وقال محمد بن كعب: النعيم: هو ما أنعم الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وفي التنزيل: “لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم” [آل عمران:164]. وقال الحسن أيضا والمفضل: هو تخفيف الشرائع، وتيسير  القرآن، قال الله تعالى: “وما جعل عليكم في الدين من حرج” [الحج: 78]، وقال تعالى: “ولقد يسرنا  القرآن للذكر فهل من مدكر” [القمر:17].
قلت: وكل هذه نعم، فيسأل العبد عنها: هل شكر ذلك أم كفر. والأقوال المتقدمة أظهر. والله أعلم.

الصفحة رقم 600 من القرآن الكريم مكتوبة من المصحف

تفسير الطبري تفسير الصفحة 600 من المصحف


601
599
 سورة القارعة مكية
وآياتها إحدى عشرة
بسم الله الرحمَن الرحيم

الآية : 1-11
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ * وَأَمّا مَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ 

}.
يقول تعالى ذكره: الْقارِعَةُ: الساعة التي يقرع قلوبَ الناس هو لُها, وعظيم ما ينزل بهم من البلاء عندها, وذلك صبيحة لا ليل بعدها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29235ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: الْقارِعَةُ من أسماء يوم القيامة, عظّمه الله وحذّره عباده.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله الْقارِعَةُ ما الْقارِعَةُ قال: هي الساعة.
29236ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: الْقارِعَةُ ما الْقارِعَةُ قال: هي الساعة.
29237ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, قال: سمعت أن القارعة والواقعة والحاقة: القيامة.
وقوله: ما الْقارِعَةُ يقول تعالى ذكره معظّما شأن القيامة والساعة التي يقرع العبادَ هولُها: أيّ شيء القارعة؟ يعني بذلك: أيّ شيء الساعة التي يقرع الخلقَ هولُها: أي ما أعظمها وأفظعها وأهولها.
وقوله: وَما أدْرَاكَ ما الْقارِعَةُ؟ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد أي شيء القارعة.
وقوله: يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ يقول تعالى ذكره: القارعة يوم يكون الناس كالفَراش, وهو الذي يتساقط في النار والسراج, ليس ببعوض ولا ذباب, ويعني بالمبثوث: المفرّق. وكالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29238ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَرَاشِ المَبْثُوثِ هذا الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار.
29239ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ قال: هذا شَبَه شبهه الله.
وكان بعض أهل العربية يقول: معنى ذلك: كغوغاء الجراد, يركب بعضه بعضا, كذلك الناس يومئذ, يجول بعضهم في بعض.
وقوله: وَتَكُونُ الجِبالُ كالْعِهْنِ المَنْفُوشِ يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش والعِهْن: هو الألوان من الصوف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29240ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: وَتَكُونُ الجِبالُ كالْعِهْنِ المَنْفُوشِ قال: الصوف المنفوش.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: هو الصوف.
وذُكر أن الجبال تسير على الأرض وهي في صورة الجبال كالهباء.
وقوله: فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يقول: فأما من ثقُلَت موازين حسناته, يعني بالموازين: الوزن, والعرب تقول: لك عندي درهم بميزان درهمك, ووزن درهمك, ويقولون: داري بميزان دارك ووزن دارك, يراد: حذاء دارك. قال الشاعر:
قدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائكُمْ ذَا مِرّةٍعِنْدِي لِكُلَ مخاصِمٍ مِيزَانُه
يعني بقوله: «لكلّ مخاصم ميزانه»: كلامه, وما ينقض عليه حجته. وكان مجاهد يقول: ليس ميزان, إنما هو مثل ضرب.
29241ـ حدثنا بذلك أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد.
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ يقول: في عيشة قد رضيها في الجنة, كما:
29242ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ يعني: في الجنة.
وقوله: وَأمّا مَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فأُمّهُ هاوِيَةٌ يقول: وأما من خفّ وزن حسناته, فمأواه ومسكنه الهاوية, التي يهوي فيها على رأسه في جهنم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29243ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَأمّا مَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فأُمّهُ هاويَةٌ وهي النار, هي مأواهم.
29244ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة فَأُمّهُ هاوِيَةٌ قال: مصيره إلى النار, هي الهاوية. قال قتادة: هي كلمة عربية, كان الرجل إذا وقع في أمر شديد, قال: هوت أمه.
29245ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن الأشعث بن عبد الله الأعمى, قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين, فيقولون: رَوّحوا أخاكم, فإنه كان في غمّ الدنيا قال: ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات, أَو مَا جاءكم؟ فيقولون: ذهبوا به إلى أمّه الهاوية.
29246ـ حدثني إسماعيل بن سيف العجليّ, قال: حدثنا عليّ بن مُسْهِر, قال: حدثنا إسماعيل, عن أبي صالح, في قوله فَأُمّهُ هاوِيَةٌ قال: يهوُون في النار على رؤوسهم.
29247ـ حدثنا ابن سيف, قال: حدثنا محمد بن سَوّار, عن سعيد, عن قتادة فَأُمّهُ هاوِيَةٌ قال: يهوى في النار على رأسه.
29248ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: فَأُمّهُ هاوِيَةٌ قال: الهاوية: النار هي أمّه ومأواه التي يرجع إليها, ويأوي إليها, وقرأ: وَمأوَاهُمُ النّارُ.
29249ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس فَأُمّهُ هاوِيَةٌ وهو مثلها, وإنما جعل النار أمّه, لأنها صارت مأواه, كما تؤوي المرأة ابنها, فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها, بمنزلة أمّ له.
قوله: وَما أدْرَاكَ ماهِيَهْ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد ما الهاوية, ثم بَيّن ما هي, فقال: هَيَ نَارٌ حَامِيَةٌ, يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها.

نهاية تفسير الإمام الطبرى لسورة القارعة

سورة التكاثر مكية
وآياتها ثمان
بسم الله الرحمَن الرحيم

الآية : 1-8
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ * حَتّىَ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنّ الْجَحِيمَ * ثُمّ لَتَرَوُنّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمّ لَتُسْأَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ 

}.
يقول تعالى ذكره: ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم, وعما ينجيكم من سخطه عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29250ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة ألهَاكُمُ التّكاثُرُ حتى زُرْتُمُ المَقابِرَ قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان, ونحن أعدّ من بني فلان, وهم كلّ يوم يتساقطون إلى آخرهم, والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ألهَاكُمُ التّكاثُرُ قالوا: نحن أكثر من بني فلان, وبنو فلان أكثر من بني فلان, ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً.
وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كلام يدلّ على أن معناه التكاثر بالمال. ذكر الخبر بذلك:
29251ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن هشام الدّستَوائيّ, عن قتادة, عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير, عن أبيه أنه انتهى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم, وهو يقرأ: ألهَاكُمُ التّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابرَ قال: «ابنَ آدم, ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, أو لبِست فأبليت, أو تصدّقت فأمضيت».
29252ـ حدثنا محمد بن خلف العسقلاني, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت البُنَاني, عن أنس بن مالك, عن أُبيّ بن كعب, قال: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن: «لو أن لابن آدم واديين من مالٍ, لتمنى واديا ثالثا, ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التّراب, ثم يتوب الله على من تاب» حتى نزلت هذه السورة: ألهَاكُمُ التّكاثُرُ إلى آخرها.
وقوله صلى الله عليه وسلم بعَقِب قراءته: «ألهاكُمُ»: ليس لك من مالك إلا كذا وكذا, ينبىء أن معنى ذلك عنده: ألهاكم التكاثر: المال.
وقوله: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر, لأن الله تعالى ذكره, أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر, أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدا منه لهم وتهدّدا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29253ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن عطية, عن قيس, عن حجاج, عن المنهال, عن زِرّ, عن عليّ, قال: كنا نشكّ في عذاب القبر, حتى نزلت هذه الاَية: ألهَاكَمُ التّكاثُرُ… إلى: كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ في عذاب القبر.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام بن سلم, عن عنبسة, عن ابن أبي ليلىَ, عن المنهال, عن زِرّ, عن عليّ, قال: نزلت ألهَاكُمُ التّكاثُرُ في عذاب القبر.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حَكّام, عن عمرو, عن الحجاج, عن المنهال بن عمرو, عن زِرّ, عن عليّ, قال: ما زلنا نشكّ في عذاب القبر, حتى نزلت: ألهَاكُمُ التّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ.
وقوله: كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني تعالى ذكره بقوله: كلا: ما هكذا ينبغي أن تفعلوا, أن يُلْهِيكم التكاثر.
وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول جلّ ثناؤه: سوف تعلمون إذا زرتم المقابر, أيها الذين ألهاهم التكاثر, غِبّ فعلكم, واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعة الله ربكم.
وقوله: ثُمّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول: ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا أن يلهيكم التكاثر بالأموال, وكثرة العدد, سوف تعلمون إذا زرتم المقابر, ما تلقَوْن إذا أنتم زرتموها, من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربكم بالتكاثر. وكرّر قوله: كَلاّ سوْفَ تَعْلَمُونَ مرّتين, لأن العرب إذا أرادت التغليظ في التخويف والتهديد, كرّروا الكلمة مرّتين. وروي عن الضحّاك في ذلك ما:
29254ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن أبي سنان, عن ثابت, عن الضحاك كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ قال: الكفار ثُمّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ قال: المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها.
وقوله: كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن تفعلوا, أن يلهيكم التكاثر أيها الناس, لو تعلمون أيها الناس علما يقينا, أن الله باعثكم يوم القيامة من بعد مماتكم, من قبوركم, ما ألهاكم التكاثر عن طاعة الله ربكم, ولسارعتم إلى عبادته, والانتهاء إلى أمره ونهيه, ورفض الدنيا إشفاقا على أنفسكم من عقوبته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
29255ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ كنا نحدّث أن علم اليقين, أن يعلم أنّ الله باعثه بعد الموت.
وقوله: لَتَرُونّ الجَحِيمَ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته قرّاء الأمصار: لَتَرَوُنّ الجَحيمَ بفتح التاء من لَتَرَوُنّ في الحرفين كليهما, وقرأ ذلك الكسائي بضم التاء من الأولىَ, وفتحها من الثانية.
والصواب عندنا في ذلك الفتح فيهما كليهما, لإجماع الحجة عليه. وإذا كان ذلك كذلك, فتأويل الكلام: لترونّ أيها المشركون جهنم يوم القيامة, ثم لترونها عيانا لا تغيبون عنها.
29256ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ثُمّ لَتَرَوُنّها عَيْنَ الْيَقِينِ يعني: أهل الشرك.
وقوله: ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ يقول: ثم ليسألنكم الله عزّ وجلّ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه, من أين وصلتم إليه, وفيم أصبتموه, وماذا عملتم به؟.
واختلف أهل التأويل في ذلك النعيم ما هو؟ فقال بعضهم: هو الأمن والصحة. ذكر من قال ذلك:
29257ـ حدثني عباد بن يعقوب, قال: حدثنا محمد بن سليمان, عن ابن أبي ليلى, عن الشعبيّ, عن ابن مسعود, في قوله: ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: الأمن والصحة.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا حفص, عن ابن أبي ليلى, عن الشعبيّ, عن عبد الله, مثله.
29258ـ حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ, قال: حدثنا محمد بن مروان, عن ليث, عن مجاهد ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: الأمن والصحة.
29259ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفيان, قال: بلغني في قوله: لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: الأمن والصحة.
29260ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن إسماعيل بن عياش, عن عبد العزيز بن عبد الله, قال: سمعت الشعبيّ يقول: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: الأمن والصحة.
قال: ثنا مهران, عن خالد الزيات, عن ابن أبي ليلى, عن عامر الشعبيّ, عن ابن مسعود, مثله.
قال: ثنا مهران, عن سفيان ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: الأمن والصحة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم لَيُسْئَلُنّ يومئذٍ عما أنعم الله به عليهم مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن. ذكر من قال ذلك:
29261ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار, قال: يسأل الله العباد فيم استعملوها, وهو أعلم بذلك منهم, وهو قوله: إنّ السّمْعَ والْبَصَرَ والفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولاً.
29262ـ حدثني إسماعيل بن موسى الفَزاريّ, قال: أخبرنا عمر بن شاكر, عن الحسن قال: كان يقول في قوله: ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: السمع والبصر, وصحة البدن.
وقال آخرون: هو العافية. ذكر من قال ذلك:
29263ـ حدثني عباد بن يعقوب, قال: حدثنا نوح بن درّاج, عن سعد بن طريف, عن أبي جعفر ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: العافية.
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك: بعض ما يطعمه الإنسان, أو يشربه. ذكر من قال ذلك:
29264ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن بكير بن عتيق, قال: رأيت سعيد بن جُبَير أُتِيَ بشربة عسل, فشربها, وقال: هذا النعيم الذي تُسئلون عنه.
29265ـ حدثني عليّ بن سهل الرمليّ, قال: حدثنا الحسن بن بلال, قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن عَمّار بن أبي عمار, قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: أتانا النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما, فأطعمناهم رُطَبا, وسقيناهم ماء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هَذَا مِنَ النّعِيمِ الّذِي تُسْئَلُونَ عَنْهُ».
حدثنا جابر بن الكرديّ, قال: حدثنا يزيد بن هارون, قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن عمار بن أبي عمار, قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: أتانا النبيّ صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه.
29266ـ حدثني الحسن بن عليّ الصّدائي, قال: حدثنا الوليد بن القاسم, عن يزيد بن كيسان, عن أبي حازم, عن أبي هريرة, قال: بينما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما جالسان, إذ جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم, فقال: «ما أجْلَسَكُما ها هُنا؟» قالا: الجوع, قال: «وَالّذِي بَعَثَنِي بالْحَقّ ما أخْرَجَنِي غَيرُهُ», فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار, فاستقبلتهم المرأة, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أيْنَ فُلانُ؟» فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء, فجاء صاحبهم يحمل قربته, فقال: مَرْحَبا, ما زار العِبادَ شَيءٌ أفضلَ من شيء زارني اليوم, فعلّق قربته بكَرَب نخلة, وانطلق فجاءهم بعِذْق, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ؟» فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم, ثم أخذ الشّفرة, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إيّاكَ والْحَلُوبَ», فذبح لهم يومئذٍ, فأكلوا, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لَتُسْئَلُنّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ, أخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ, فَلَمْ تَرْجِعُوا حتّى أصَبْتُمْ هَذَا, فَهَذَا مِنَ النّعِيمِ».
29267ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير, قال: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن, عن عبد الملك بن عُمَير, عن أبي سَلَمة, عن أبي هريرة, قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: «انْطَلِقُوا بِنا إلى أبي الهَيْثَمِ بن التّيّهانِ الأنْصَارِيّ,» فَأتَوهُ, فانطلق بهم إلى ظلّ حديقته, فبسط لهم بساطا, ثم انطلق إلى نخلة, فجاء بِقِنْوٍ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَهَلا تَنَقّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟» فقال: أردت أن تَخَيّروا من رطبه وبُسره, فأكلوا وشربوا من الماء فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «هَذَا وَالّذِي نَفْسِي بِيدِهِ مِنَ النّعِيمِ, الّذِي أنْتُمْ فِيهِ مَسْئُولُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ, هَذَا الظّلّ البارِدُ, والرّطَبُ البارِدُ, عَلَيْهِ الماءُ البارِدُ».
حدثني صالح بن مسمار المروزي, قال: حدثنا آدم بن أبي إياس, قال: حدثنا شيبان, قال: حدثنا عبد الملك بن عمير, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه, إلا أنه قال في حديثه: «ظِلّ بارِدٌ, وَرُطَبٌ بارِدٌ, وَماءٌ بارِدٌ».
29268ـ حدثنا عليّ بن عيسى البزاز, قال: حدثنا سعيد بن سليمان, عن حشرج بن نباتة, قال: حدثنا أبو بصيرة عن أبي عسيب, مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الأنصار, فقال لصاحب الحائط: «أطْعِمْنا بُسْرا», فجاءه بِعْذِقٍ فَوَضَعهُ فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, ثم دعا بماء بارد فشرب, فقال: «لتُسْئَلُنّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ», فأخذ عُمَر العِذْق, فضرب به الأرض, حتى تناثر البسر, ثم قال: يا رسول الله, إنا لمسؤولون عن هذا؟ قال: «نَعَمْ, إلاّ مِنْ كِسْرَةٍ يَسَدّ بِها جَوْعَةً, أوْ جُحْرٍ يُدْخَلُ فِيهِ مِنَ الحَرّ والقَرّ».
حدثني سعيد بن عمرو السكونيّ, قال: حدثنا بقية, عن حشرج بن نباتة, قال: حدثني أبو بصيرة, عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: مرّ بي النبيّ صلى الله عليه وسلم, فدعاني وخرجت ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, فدخل حائطا لبعض الأنصار, فأُتِيَ بِبُسْرِ عِذْق منه, فوضع بين يديه, فأكل هو وأصحابه, ثم دعا بما بارد, فشرب, ثم قال: «لَتُسْئَلُنّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ», فقال عمر: عن هذا يوم القيامة؟ فقال: «نَعَمْ, إلاّ مِنْ ثَلاثَةٍ: خِرْقَةٍ كَفّ بِها عَوْرَتَهُ, أو كِسْرَةٍ سَدّ بِها جَوْعَتَهُ, أوْ جُحْرِ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الحَرّ والقَرّ».
29269ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلّية, عن الجريريّ, عن أبي بصيرة, قال: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناس من أصحابه أكلة من خبز شعير لم يُنْخَل, بلحم سمين, ثم شربوا من جدول, فقال: «هذا كله من النعيم الذي تُسئلون عنه يوم القيامة».
29270ـ حدثنا مجاهد بن موسى, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا محمد بن عمرو, عن صفوان بن سليم, عن محمد بن محمود بن لبيد, قال: «لما نزلت ألهَاكُمُ التّكاثُرُ فقرأها حتى بلغ: لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عنِ النّعِيمِ قالوا: يا رسول الله عن أيّ النعيم نُسْأل وإنما هو الأسودان: الماء, والتمر, وسيوفنا على عواتقنا, والعدوّ حاضر, قال: «إنّ ذلكَ سَيَكُونُ».
29271ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسين بن عليّ الصّدَائي, قالا: حدثنا شَبَابة بن سوّار, قال: ثني عبد الله بن العلاء أبو رَزِين الشامي, قال: حدثنا الضحاك بن عَرْزَم, قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أوّلَ ما يُسْئَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ النّعِيمِ أنْ يُقالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحّ لَكَ جِسْمَكَ, وَتُرْوَ مِنَ الماءِ البارِدِ»؟.
29272ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, قال: حدثنا ليث, عن مجاهد, قال: قال أبو معمر: عبد الله بن سخبرة: ما أصبح أحد بالكوفة إلا ناعما وإن أهونهم عيشا الذي يأكل خبز البرّ, ويشرب ماء الفُرات, ويستظلّ من الظلّ, وذلك من النعيم.
29273ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن إسماعيل بن عياش, عن عبد الرحمن بن الحرث التميميّ, عن ثابت البُنَاني, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «النّعِيم: المَسْئُولُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ: كِسْرَةٌ تُقَوّيهِ, وَماءٌ يُرْوِيهِ, وَثَوْبّ يُوَارِيهِ».
29274ـ قال: ثنا مهران, عن إسماعيل بن عياش, عن بشر بن عبد الله بن بشار, قال: سمعت بعض أهل اليمن يقول: سمعت أبا أُمامة يقول: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: خبز البُرّ, والماء العذب.
29275ـ قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن بكير بن عتيق العامريّ, قال: أُتِيَ سعيد بن جُبير بشربة عسل, فقال: أما إن هذا النعيم الذي نُسْأل عنه يوم القيامة ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ.
29276ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن بكير بن عتيق, عن سعيد بن جُبير, أنه أُتِيَ بشربة عسل, فقال: هذا من النعيم الذي تُسألون عنه.
وقال آخرون: ذلك كلّ ما التذّه الإنسان في الدنيا من شيء. ذكر من قال ذلك:
29277ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ثُمّ لَتُسْئَلَنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: عن كلّ شيء من لذّة الدنيا.
29278ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ثُمّ لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ: إن الله عزّ وجلّ سائل كلّ عبد عما استودعه من نِعَمه وحقه.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن مَعْمر, عن قتادة لَتُسْئَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ قال: إن الله تعالى ذكره سائل كلّ ذي نعمة فيما أنعم عليه.
وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاث لا يُسئل عنهنّ ابن آدم, وما خَلاهنّ فيه المسألة والحساب, إلا ما شاء الله: كُسوة يواري بها سَوْءَته, وكسرة يشدّ بها صُلْبه, وبيت يظلّه.
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم, ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع, بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع, فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم, لا عن بعض دون بعض.

نهاية تفسير الإمام الطبرى لسورة التكاثر

Leave a Comment