محمد رفعت – سورة البلد

Spread the love
محمد رفعت

محمد رفعت – سورة البلد

الولادة والنشأة

الشيخ محمد رفعت ابن محمود رفعت ابن محمد رفعت فكان اسمه واسم ابيه وجده كلها مركبة. وقد ولد في يوم الإثنين 9 مايو عام 1882م بدرب الأغوات بحي المغربلين بالقاهرة، وفقد بصره صغيراً وهو في سن الثانية من عمره.[1]

بدأ حفظ القرآن في سن الخامسة، عندما أدخله والده كُتّاب بشتاك الملحق بمسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب[2] وكان معلمه الأول الشيخ محمد حميدة وأكمل القرآن حفظا ومجموعة من الأحاديث النبوية، بعد ست سنوات شعر شيخه أنه مميز، وبدأ يرشحه لإحياء الليالي في الأماكن المجاورة القريبة. ودرس علم القراءات والتجويد لمدة عامين على الشيخ عبد الفتاح هنيدي صاحب أعلى سند في وقته ونال اجازته. توفي والده محمود رفعت والذي كان يعمل مأموراً بقسم شرطة الجمالية وهو في التاسعة من عمره فوجد |الطفل اليتيم نفسه مسئولاً عن أسرته المؤلفة من والدته وخالته واخته واخيه «محرم» وأصبح عائلها الوحيد بعد أن كانت النية متجهة إلى الحاقه للدراسة في الأزهر، بدأ وهو في الرابعة عشر يحيي بعض الليالي في القاهرة بترتيل القرآن الكريم، وبعدها صار يدعى لترتيل القرآن في الأقاليم.[2]

عائلته

متزوج من الحاجة زينب من قرية الفرعونية بالمنوفية، ولديه أربعة أبناء أكبرهم محمد المولود عام 1909م وقد رافق والده فكان بمثابة سكرتيره ومدير أعماله، ثم أحمد ولد عام 1911 م وقد سار على درب والده فحفظ القرآن ودرس القرآءات ونال الإجازة فيها، ثم ابنته بهية وولدت عام 1914 م تزوجت من عبده فرّاج، ثم أصغرهم حسين وولد عام 1920 م وكان يقرأ لوالده الكتب، وقد توفاهم الله جميعاً.[3]

قراءة القرآن

تولى القراءة بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب سنة 1918م حيث عين قارئا للسورة وهو في سن الخامسة عشرة، فبلغ شهرة ونال محبة الناس، وحرص النحاس باشا والملك فاروق على سماعه.[4] واستمر يقرأ في المسجد حتى اعتزاله من باب الوفاء للمسجد الذي شهد ميلاده في عالم القراءة منذ الصغر.[3] وافتتح بث الإذاعة المصرية سنة 1934م، وذلك بعد أن استفتى شيخ الأزهر محمد الأحمدي الظواهري عن جواز إذاعة القرآن الكريم فأفتى له بجواز ذلك فافتتحها بآية من أول سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا مبينا)، ولما سمعت الإذاعة البريطانية بي بي سي العربية صوته أرسلت إليه وطلبت منه تسجيل القرآن، فرفض ظنا منه أنه حرام لأنهم غير مسلمين، فاستفتى الإمام المراغي فشرح له الأمر وأخبره بأنه غير حرام[2]، فسجل لهم سورة مريم.

خصائص تلاوته

كان الشيخ محمد رفعت ذا صوت جميل ببصمة لا تتكرر، وأسلوب فريد ومميز في تلاوة القرآن، كان يتلو القرآن بتدبر وخشوع يجعل سامعه يعيش معاني القرآن الكريم ومواقفه بكل جوارحه لا بأذنه فقط، فكان يوصل رسالة القرآن ويؤثر بمستمعي تلاوته. كان يبدأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والبسملة والترتيل بهدوء وتحقيق، وبعدها يعلو صوته، فهو خفيض في بدايته ويصبح بعد وقت ليس بالطويل غالبًا «عالياً» لكن رشيداً يمسُّ القلبَ ويتملكه ويسرد الآيات بسلاسة وحرص منه واستشعار لآي الذكر الحكيم.

كان اهتمامه بمخارج الحروف كبيراً فكان يعطي كل حرف حقه ليس كي لا يختلف المعنى فقط بل لكي يصل المعنى الحقيقي إلى صدور الناس، وكان صوته حقاً جميلاً رخيما رنانا، وكان ينتقل من قراءة إلى قراءة ببراعة وإتقان وبغير تكلف. امتلك الشيخ محمد رفعت طاقات صوتية هائلة، جعلته يستطيع الانتقال بسلاسة شديدة بين المقامات في أثناء تلاوته للقرآن الكريم، ليس هذا فحسب، بل إنه امتلك القدرة على تراسل الحواس لدى المستمعين، فيعلم متى يبكيهم، ومتى يبهجهم من خلال آيات الترغيب والترهيب في كتاب الله عز وجل، فقد أوتي مزمارًا من مزامير داود، وإذا ما وضعنا جماليات الصوت جانبًا لننتقل إلى قوته، فان صوته كان قويًا لدرجة أنه يستطيع من خلاله الوصول لأكثر من 3 آلاف شخص في الأماكن المفتوحة.[1]

كان محافظاً على صوته يتجنب نزلات البرد والأطعمة الحريفة ولا يدخن ولا يتناول طعام العشاء.[2]

المتأثرون بطريقته

يعد الشيخ أبو العينين شعيشع من المتأثرين بتلاوة الشيخ محمد رفعت وصوته شديد الشبه به حتى أن الإذاعة المصرية استعانت به لتعويض الانقطاعات في التسجيلات.

كما يعد الشيخ محمد رشاد الشريف مقرئ المسجد الأقصى من المتأثرين بقراءة الشيخ محمد رفعت.[5] وفي العام 1943، استمع الشيخ محمد رفعت إلى محمد رشاد الشريف فقال عنه «إنني استمع إلى محمد رفعت من فلسطين» [6]، ورد له رسالة في العام 1944 معتبراً إياه بمثابة «محمد رفعت الثاني».[5]

نشر تلاواته

كانت معظم تلاوات الشيخ محمد رفعت بمسجد فاضل باشا في القاهرة يقصده الناس هناك للاستماع إلى تلاواته حتى الملك فاروق وكانت تبث الإذاعة المصرية حفلاته من هناك، وكان صيفاً يتلو القرآن في جامع المرسي أبو العباس في الإسكندرية. إضافة إلى تلاواته الحية على الهواء من دار الإذاعة المصرية التي تعاقدت معه من أول افتتاحها لا سيما في رمضان كان يتلو تلاوتين يومياً على الهواء فيما عدا يوم الأحد وكان يقرأ القراءة الأولى من الساعة التاسعة وحتى العاشرة إلا الربع مساءً والثانية من الساعة العاشرة والنصف وحتى الحادية عشرة والربع مساءً.[2] أما تسجيلاته فكانت جميعها تقريباً من تسجيل أحد أكبر محبيه وهو زكريا باشا مهران أحد أعيان مركز القوصية في أسيوط وعضو مجلس الشيوخ المصري، والذي يعود له الفضل في حفظ تراث الشيخ رفعت الذي نسمعه حاليا، وكان يحب الشيخ رفعت دون أن يلتقي به، وحرص على تسجيل حفلاته التي كانت تذيعها الإذاعة المصرية على الهواء واشترى لذلك اثنين من أجهزة الجرامافون من ألمانيا، وعندما علم بمرض الشيخ رفعت أسرع إلى الإذاعة حاملاً إحدى هذه الأسطوانات، وطلب من مسؤولي الإذاعة عمل معاش للشيخ رفعت مدى الحياة، وبالفعل خصصت الإذاعة مبلغ 10 جنيهات معاش شهري للشيخ رفعت، ولكن الشيخ توفي قبل أن يتسلمه [3]، وتبرعت عائلة زكريا باشا بالأسطوانات لكي تنشر وقد حصل عليها ورثة الشيخ محمد رفعت بعد وفاة زكريا باشا مهران من زوجته ”زينب هانم مبارك” فلولا هذه التسجيلات لفقد تراثه الا من 3 تسجيلات تحتفظ بها الإذاعة، ولم تكن لتلك الاسطوانات أثرها في حياة الشيخ فقط بل ”زكريا باشا” المحب الذي سجل دون معرفة شخصية أو رؤية لـ”رفعت”، وقالت زوجة زكريا باشا: برغم نشاطات زوجي زكريا باشا نوران في الاقتصاد والمحاماة والسياسة والتأليف إلا أن اسمه لم يذكر إلا مقروناً بأنه الذي سجل مجموعة من التسجيلات للشيخ محمد رفعت.[4][7]

وأوضحت السيدة هناء حسين محمد رفعت حفيدة الشيخ أن أبناء الشيخ رفعت ظلوا طوال حياتهم عاكفين على إعادة إصلاح ومعالجة هذه الأسطوانات، وأن والدها أهدى الإذاعة 30 ساعة بصوت الشيخ رفعت دون مقابل، وهي كل التراث الذي نسمعه حاليا للشيخ رفعت، مؤكدة أن الأحفاد يستكملون المسيرة ويحاولون إنقاذ 30 ساعة أخرى بصوت الشيخ رفعت لم تر النور بعد، ولم تصل إلى آذان محبيه، قائلة: «نقلنا كل الأسطوانات على هارد ديسك، واشتغلنا في كذا استوديو لإصلاحها وتنقيتها، ولكن بقدر إمكانياتنا الضعيفة، ونحتاج استوديوهات عالية التقنية وإمكانيات أكبر من طاقتنا لذلك توقفنا».[3]

شخصيته

ويروى عن الشيخ أنه كان رحيماً رقيقاً ذا مشاعر جياشة عطوفاً على الفقراء والمحتاجين، حتى أنه كان يطمئن على فرسه كل يوم ويوصي بإطعامه. ويروي أنه زار صديقا له قبيل موته فقال له صديقه من يرعى فتاتي بعد موتي؟ فتأثر الشيخ بذلك، وفي اليوم التالي والشيخ يقرأ القرآن من سورة الضحى وعند وصوله إلى (فأما اليتيم فلا تقهر) تذكر الفتاة وانهال في البكاء بحرارة، ثم خصص مبلغاً من المال للفتاة حتى تزوجت. كان زاهداً صوفي النزعة نقشبندي الطريقة يميل للناس الفقراء البسطاء أكثر من مخالطة الأغنياء فقد أحيا يوماً مناسبة لجارته الفقيرة مفضلاً إياها على الذهاب لإحياء الذكرى السنوية لوفاة الملك فؤاد والد الملك فاروق.

وكان بكّاءاً تبل دموعه خديه في أثناء تلاوته حتى انه انهار مرة وهو في الصلاة عندما كان يؤم المصلين يتلو آية فيها موقف من مواقف عذاب الآخرة. وكان ربانيّاً يخلو بنفسه يناجي الله داعياً إياه.[3]

مرضه ووفاته

أصابت حنجرة الشيخ محمد رفعت في عام 1943م زغطة أو فواق تقطع عليه تلاوته، فتوقف عن القراءة. وقد سبب الزغطة ورمٌ في حنجرته يُعتقد أنه سرطان الحنجرة، صرف عليه ما يملك حتى افتقر لكنه لم يمد يده إلى أحد، حتى أنه اعتذر عن قبول المبلغ الذي جمع في اكتتاب (بحدود خمسين ألف جنيه) لعلاجه على رغم أنه لم يكن يملك تكاليف العلاج، وكان جوابه كلمته المشهورة «إن قارئ القرآن لا يهان».

سورة البلد مكتوبة كاملة بالتشكيل | كتابة وقراءة

بسم الله الرحمن الرحيم

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (2) وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ (5) يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا (6) أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ (7) أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ (8) وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ (9) وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ (10) فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ (11) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ (14) يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ (15) أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ (17) أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ (18) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ (19) عَلَيۡهِمۡ نَارٞ مُّؤۡصَدَةُۢ (20)

الصفحة رقم 594 من القرآن الكريم مكتوبة من المصحف

الصفحة رقم 594 مكتوبة بالرسم العثماني
يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ (26) يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ (27) ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ (28) فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي (29) وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي (30)
سُورَةُ البَلَدِ

بسم الله الرحمن الرحيم

لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (2) وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ (5) يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا (6) أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ (7) أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ (8) وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ (9) وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ (10) فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ (11) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ (14) يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ (15) أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ (17) أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ (18) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡ‍َٔمَةِ (19) عَلَيۡهِمۡ نَارٞ مُّؤۡصَدَةُۢ (20)

التفسير الميسر الصفحة رقم 594 من القرآن الكريم

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)

يقول: يا ليتني قدَّمتُ في الدنيا من الأعمال ما ينفعني لحياتي في الآخرة.

فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)

ففي ذلك اليوم العصيب لا يستطيع أحدٌ ولا يقدر أن يُعذِّبَ مثل تعذيب الله من عصاه, ولا يستطيع أحد أن يوثِقَ مثل وثاق الله, ولا يبلغ أحدٌ مبلغه في ذلك.

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)

يا أيتها النفس المطمئنة إلى ذِكر الله والإيمان به, وبما أعدَّه من النعيم للمؤمنين, ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك, والله سبحانه قد رضي عنك, فادخلي في عداد عباد الله الصالحين, وادخلي معهم جنتي.

90 – سورة البلد – مكية – عدد آياتها 20

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)

أقسم الله بهذا البلد الحرام, وهو “مكة”, وأنت -أيها النبي- مقيم في هذا “البلد الحرام”, وأقسم بوالد البشرية- وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد, لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.

أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5)

أيظنُّ بما جمعه من مال أن الله لن يقدر عليه؟

يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)

يقول متباهيًا: أنفقت مالا كثيرًا. أيظنُّ في فعله هذا أن الله عز وجل لا يراه, ولا يحاسبه على الصغير والكبير؟

أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)

ألم نجعل له عينين يبصر بهما, ولسانًا وشفتين ينطق بها, وبينَّا له سبيلَي الخير والشر؟

فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)

فهلا تجاوز مشقة الآخرة بإنفاق ماله, فيأمن.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12)

وأيُّ شيء أعلمك: ما مشقة الآخرة, وما يعين على تجاوزها؟

فَكُّ رَقَبَةٍ (13)

إنه عتق رقبة مؤمنة من أسر الرِّق.

أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)

أو إطعام في يوم ذي مجاعة شديدة, يتيمًا من ذوي القرابة يجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم, أو فقيرًا معدمًا لا شيء عنده.

ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)

ثم كان مع فِعْل ما ذُكر من أعمال الخير من الذين أخلصوا الإيمان لله, وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على طاعة الله وعن معاصيه, وتواصوا بالرحمة بالخلق.

أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)

الذين فعلوا هذه الأفعال, هم أصحاب اليمين, الذين يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنة.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19)

والذين كفروا بالقرآن هم الذين يؤخذ بهم يوم القيامة ذات الشمال إلى النار.

عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

جزاؤهم جهنم مطبَقةٌ مغلقة عليهم.

تفسير الجلالين الصفحة رقم 594 من القرآن الكريم

24 – (يقول) مع تذكره (يا) للتنبيه (ليتني قدمت) الخير والإيمان (لحياتي) الطيبة في الآخرة أو وقت حياتي في الدنيا
25 – (فيومئذ لا يعذب) بكسر الذال (عذابه) أي الله (أحد) أي لا يكله إلى غيره
26 – وكذا (ولا يوثق) بكسر الثاء (وثاقه أحد) وفي قراءة بفتح الذال والثاء فضمير عذابه ووثاقه للكافر والمعنى لا يعذب أحد مثل تعذيبه ولا يوثق مثل ايثاقه
27 – (يا أيتها النفس المطمئنة) الآمنة وهي المؤمنة
28 – (ارجعي إلى ربك) يقال لها ذلك عند الموت أي ارجعي إلى أمره وإرادته (راضية) بالثواب (مرضية) عند الله بعملك أي جامعة بين الوصفين وهما حالان ويقال لها في القيامة
29 – (فادخلي في) جملة (عبادي) الصالحين
30 – (وادخلي جنتي) معهم

سورة البلد

1 – (لا) زائدة (أقسم بهذا البلد) مكة
2 – (وأنت) يا محمد (حل) حلال (بهذا البلد) بأن يحل لك فقاتل فيه وقد أنجز الله له هذا الوعد يوم  الفتح فالجملة اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه
3 – (ووالد) أي آدم (وما ولد) ذريته وما بمعنى من
4 – (لقد خلقنا الإنسان) الجنس (في كبد) نصب وشدة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الحرارة
5 – (أيحسب) أيظن الإنسان قوي قريش وهو أبو الأشد بن كلدة بقوته (أن) مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي انه (لن يقدر عليه أحد) والله قادر عليه
6 – (يقول أهلكت) على عداوة محمد (مالا لبدا) كثيرا بعضه على بعض
7 – (أيحسب أن) أنه (لم يره أحد) فيما أنفقه فيعلم قدره والله عالم بقدره وأنه ليس مما يتكثر به ومجازيه على فعله السيء
8 – (ألم نجعل) استفهام تقرير أي جعلنا (له عينين)
9 – (ولسانا وشفتين)
10 – (وهديناه النجدين) بينا له طريق الخير والشر
11 – (فلا) فهلا (اقتحم العقبة) اجتازها
12 – (وما أدراك) أعلمك (ما العقبة) التي يقتحمها تعظيما لشأنها والجملة اعتراض بين سبب اجتيازها بقوله
13 – (فك رقبة) من الرق بأن أعتقها
14 – (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) مجاعة
15 – (يتيما ذا مقربة) قرابة
16 – (أو مسكينا ذا متربة) لصوق بالتراب لفقره وفي قراءة بدل الفعلين مصدران مرفوعان مضاف الأول لرقبة وينون الثاني فيقدر قبل العقبة اقتحام والقراءة المذكورة بيانه
17 – (ثم كان) عطف على اقتحم وثم للترتيب بالذكري والمعنى كان وقت الاقتحام (من الذين آمنوا وتواصوا) أوصى بعضهم بعضا (بالصبر) على الطاعة وعن المعصية (وتواصوا بالمرحمة) الرحمة على الخلق
18 – (أولئك) الموصوفون بهذه الصفات (أصحاب الميمنة) اليمين
19 – (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة) الشمال
20 – (عليهم نار مؤصدة) بالهمزة والواو بدله مطبقة

تفسير السعدي تفسير الصفحة 594 من المصحف



يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ( 24 

) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ( 25 

) وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ( 26 

) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 

) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 

) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ( 29 

) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 

) .

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا .
وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها ، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء.
( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ 

) لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له.
( وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ 

) فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ 

) إلى ذكر الله، الساكنة [ إلى ] حبه، التي قرت عينها بالله.
( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ 

) الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه ( رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً 

) أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها.
( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي 

) وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به في حال الموت [ والحمد لله رب العالمين ] .

تفسير سورة لا أقسم

بهذا البلد مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 1 

) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 2 

) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ( 3 

) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ( 4 

) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 

) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ( 6 

) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 

) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 

) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ( 9 

) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 

) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 

) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 

) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 

) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 

) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ( 15 

) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( 16 

) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 

) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 

) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 

) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 

) .

يقسم تعالى ( بِهَذَا الْبَلَدِ 

) الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصًا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ 

) أي: آدم وذريته.
والمقسم عليه قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ 

) يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم.
وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد.
ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [ فإنه ] لم يشكر الله على هذه النعمة [ العظيمة ] ، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ 

) ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. فـ ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا 

) أي: كثيًرا، بعضه فوق بعض.
وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق.
قال الله متوعدًا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ 

) أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟
بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر.
ثم قرره بنعمه، فقال: ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ 

) للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن 

) أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي.
فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه ، ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك.
( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ 

) أي: لم يقتحمها ويعبر عليها، لأنه متبع لشهواته .
وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [ هذه ] العقبة بقوله: ( فَكُّ رَقَبَةٍ 

) أي: فكها من الرق، بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار.
( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ 

) أي: مجاعة شديدة، بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة.
( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ 

) أي: جامعًا بين كونه يتيمًا، فقيرًا ذا قرابة.
( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ 

) أي: قد لزق بالتراب من الحاجة والضرورة.
( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا 

) أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم. من كل قول وفعل واجب أو مستحب. ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ 

) على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضًا على الانقياد لذلك، والإتيان به كاملا منشرحًا به الصدر، مطمئنة به النفس.
( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ 

) للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ 

) لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا 

) بأن نبذوا هذه الأمور وراء ظهورهم، فلم يصدقوا بالله، [ ولا آمنوا به ] ، ولا عملوا صالحًا، ولا رحموا عباد الله، ( والذين كفروا بآياتنا همْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَة * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ 

) أي: مغلقة، في عمد ممددة، قد مدت من ورائها، لئلا تنفتح أبوابها، حتى يكونوا في ضيق وهم وشدة [ والحمد لله ] .

Leave a Comment